كرم أهل الربة ووجع حمود.. لماذا لا تشبه الكرك الإرهاب؟

كتب: وسام نصر الله

ليست الكرك مدينة تعرف بقلعتها التاريخية الشامخة، ولا بجبالها التي تعانق السماء، ولا بما تختزنه حجارتها من حكايات التاريخ فحسب.

إنها مدينة تعرف بأهلها، بقلوبهم التي تتسع للغريب قبل القريب، وبأبواب بيوتهم التي لا تغلق في وجه طارق.

وتعرف بذلك الإرث العميق من الشهامة والكرم والتآخي، الذي جعل منها واحدة من الصور الأصيلة للأردن الذي نعرفه ونحبه.

ولهذا، فإن الجريمة الإرهابية التي استهدفت كنيسة في قرية حمود بمحافظة الكرك، وأودت بحياة أبرياء وأصابت آخرين، ليست مجرد حادثة دامية تضاف إلى سجل العنف.

بل هي اعتداء على معنى راسخ في وجدان هذه المدينة، ومحاولة بائسة للنيل من قيم عاش عليها أهلها، وتوارثوها جيلا بعد جيل، ولم تكن يوما بحاجة إلى شعارات كي يثبتوا تمسكهم بها.

كيف يمكن للكراهية أن تجد لها مكانا في مدينة اعتاد أهلها أن يفتحوا بيوتهم للضيف، وأن يقتسموا معه خبزهم وطعامهم؟

وكيف يجعلون من حسن الاستقبال واجبا لا منة، ومن إغاثة الملهوف شيمة لا تنتظر مقابلا؟

وكيف يمكن لفكر يضيق بالاختلاف أن يختصر تاريخا طويلا من المحبة والتعايش، أو أن يمحو ما بنته القلوب من جسور لا تستطيع الرصاصات هدمها؟

شهادة حية من ذاكرة المكان

أسئلة كثيرة تفرض نفسها أمام هذه الفاجعة، لكن الذاكرة الشخصية، أحيانا، تكون أصدق من الخطب الطويلة في الإجابة عنها.

أستعيد، وأنا أتابع مشاهد الحزن في الكرك، زيارة مضت عليها أشهر قليلة، حين اصطحبت ابن خالتي، الطبيب القادم من بريطانيا، في رحلة إلى الكرك لزيارة قلعتها الأثرية، والتعرف إلى جانب من تاريخ المكان وذاكرته.

لم تكن الزيارة مجرد جولة بين حجارة قلعة قديمة، ولا وقوفا أمام مشاهد طبيعية تستحق التأمل.

لقد كانت، في جوهرها، لقاء مع الناس؛ مع أولئك الذين يمنحون المكان روحه، ويجعلون الزائر يتذكره طويلا بعد أن يغادره.

عندما وصلنا إلى بلدة الربة في طريقنا إلى المدينة، توقفنا للسلام على السيد حيدر، نجل النائب الأسبق ورئيس بلدية الربة لعدة دورات، المرحوم اعطيوي المجالي.

والمرحوم هو من شيوخ الكرك الوازنين وقاماتها العشائرية والوطنية البارزة، والوالد للشيخ عاطف اعطيوي المجالي، الشقيق الأكبر للعائلة وشيخ مشايخ الكرك، في إشارة حية وجلية إلى عراقة هذا البيت المفتوح وأصالته وجذوره الممتدة.

وما إن علم شقيقه، الأخ والصديق هزاع اعطيوي المجالي، بوجودنا في البلدة وأننا نتجه إلى زيارة القلعة، حتى بدأ ذلك المشهد الذي يعرفه كل من خبر كرم أهل الجنوب.

ترحيب حار لا يترك للضيف مجالا للاعتذار، وإصرار قاطع على ألا نغادر الكرك قبل تناول الغداء والمضي إلى مائدة العائلة في مضاربها العامرة بالمحبة والجود.

لم يكن الأمر مجرد مجاملة عابرة، ولا واجبا اجتماعيا يؤدى على عجل.

بل كان تعبيرا تلقائيا عن ثقافة كاملة، ترى في الضيف مسؤولية أخلاقية، وفي إكرامه شرفا، وفي تركه يغادر من دون أن ينال نصيبه من المودة أمرا لا يليق بأهل البيت.

وبعد أن انتهينا من زيارة القلعة، وتحت وطأة الاتصالات والقيام بواجب الضيافة، توجهنا إلى الربة، حيث مضارب عائلة المجالي العريقة والأصيلة.

كان المنسف الكركي ينتظرنا، وكانت البسمة حاضرة في الوجوه، والضحكات تتنقل بعفوية بين الجالسين، فيما كان شعور الترحيب والحفاوة يحيط بنا منذ لحظة الوصول وحتى المغادرة.

في تلك اللحظات، لا تحتاج إلى من يشرح لك معنى الكرم.

يكفي أن تجلس إلى مائدة أعدت لك بمحبة، وأن ترى كيف يصبح الغريب فردا من العائلة، وكيف تتسع البيوت لمن لا تربطهم بأهلها سوى صلة الإنسانية.

لقد جعل الأصدقاء من عائلة المجالي من استقبالنا حكاية صغيرة دافئة تستحق أن تروى.

وغادرنا المكان ونحن نحمل أكثر من ذكرى جميلة؛ حملنا انطباعا عميقا عن مجتمع يعرف كيف يصون كرامة ضيفه، وكيف يجعل من المحبة سلوكا يوميا لا مناسبة موسمية.

خيبة الإرهاب أمام صلابة التآخي

لهذا تحديدا، يصعب على من عرف الكرك وأهلها أن ينظر إلى الجريمة التي استهدفت كنيسة حمود باعتبارها حدثا عابرا.

فالألم هنا يتجاوز عدد الضحايا، على فداحة الخسارة، ليصل إلى المعنى الذي حاول الإرهاب أن يضربه.

أراد أن يزرع الخوف في مجتمع اعتاد الطمأنينة، وأن يثير الشك بين أبناء وطن تقاسموا الأفراح والأتراح، وأن يحول الاختلاف الديني من مظهر طبيعي للحياة إلى ذريعة للقتل.

لكن الإرهاب، مهما بلغ من وحشية، لا يستطيع أن يختصر مدينة في جريمة.

ولا يمكنه أن ينزع من مجتمع تاريخه لأنه أراد أن يفرض عليه لحظة من الرعب.

الكرك التي تودع شهداءها اليوم ليست مدينة مكسورة الروح، وإن أثقل الحزن قلوب أهلها.

إنها المدينة التي تعرف أن دمعة الأم لا تسأل عن دين ابنها، وأن وجع الفقد لا تحده هوية.

وهي المدينة التي لا تحتاج إلى أن تثبت وحدتها الوطنية في مواجهة جريمة كهذه؛ فتاريخها وعلاقات أهلها وشواهد الحياة اليومية فيها تقول ذلك بوضوح.

إن صورة الأردنيين وهم يشاركون في تشييع الضحايا، وتقف القلوب فيها قبل الأجساد إلى جانب العائلات المفجوعة، تحمل رسالة تتجاوز حدود المكان.

رسالة تؤكد أن هذا الوطن لا يبنى على تشابه أبنائه في المعتقد، بل على اتفاقهم في الانتماء.

وعلى إيمانهم بأن كرامة الإنسان ليست امتيازا تمنحه جماعة لجماعة، وإنما حق أصيل لا يجوز المساس به.

ستبقى الكرك حارسة لجزء عزيز من الذاكرة الأردنية، لا لأنها خالية من الألم، بل لأنها تعرف كيف تواجه الألم من دون أن تتخلى عن قيمها.

وستظل قلعتها شواهد على تاريخ طويل، فيما تظل بيوتها وموائدها ووجوه أهلها شاهدة على تاريخ آخر لا يقل أهمية.

تاريخ الإنسان حين ينتصر على قسوة الحياة بالمحبة، وعلى الخوف بالشجاعة، وعلى الغربة بالاحتضان.

ذلك هو الوجه الحقيقي للكرك، وهو الوجه الذي لا تستطيع جريمة أن تمحوه.

رحم الله شهداء كنيسة حمود، وألهم ذويهم الصبر والسلوان، ومنّ على المصابين بالشفاء العاجل.

وليبق الأردن وطنا يتسع لجميع أبنائه، وتبقى الكرك كما عرفناها: مدينة للكرامة والوفاء، وللتآخي الذي لا تهزمه رصاصة، وللمحبة التي تظل أقوى من كل كراهية.

زر الذهاب إلى الأعلى