حِينَ يَعْلُو صَوْتُ الحَقِّ فَوْقَ ضَجِيجِ القُوَّةِ… جَلَالَةُ المَلِكِ عَبْدُاللهِ الثَّانِي وَكَلِمَةٌ تَتَوَّجُ مَسِيرَةَ السَّلَامِ عَلَى مِنْبَرِ الأُمَمِ المُتَّحِدَةِ

بقلم: الدكتور زيد أبوزيد

حِينَ تَكُونُ الكَلِمَةُ صَافِيَةً كَالْمَاءِ فِي نَبْعٍ لَمْ تَلْمَسْهُ يَدُ العَكَرِ، فَإِنَّهَا لَا تَحْتَاجُ إِلَى زَخْرَفٍ كَيْ تَصِلَ إِلَى القَلْبِ؛ يَكْفِيهَا أَنْ تَكُونَ صَادِقَةً، وَأَنْ تَحْمِلَ فِي حُرُوفِهَا وَجَعَ الإِنْسَانِ وَحَقَّ الأَوْطَانِ.

هَكَذَا بَدَتْ كَلِمَةُ جَلَالَةِ المَلِكِ عَبْدِاللهِ الثَّانِي ابْنِ الحُسَيْنِ أَمَامَ الجَمْعِيَّةِ العَامَّةِ لِلأُمَمِ المُتَّحِدَةِ فِي دَوْرَتِهَا الحَادِيَةِ وَالثَّمَانِينَ؛ لَا كَخِطَابٍ دِبْلُومَاسِيٍّ يُقَالُ ثُمَّ تُطْوَى صَفَحَاتُهُ، بَلْ كَخُلَاصَةٍ لِمَسَارٍ طَوِيلٍ مِنَ المَوَاقِفِ وَالمُرَافَعَةِ السِّيَاسِيَّةِ وَالدِّبْلُومَاسِيَّةِ، وَكَتَتْوِيجٍ لِجُهْدٍ مَتَوَاصِلٍ بَذَلَهُ جَلَالَتُهُ فِي الدِّفَاعِ عَنِ القَضِيَّةِ الفِلَسْطِينِيَّةِ، وَالدَّفْعِ نَحْوَ السَّلَامِ، وَالتَّحْذِيرِ مِنْ مَخَاطِرِ التَّطَرُّفِ وَالِاسْتِيطَانِ وَالتَّهْجِيرِ وَفَرْضِ الوَقَائِعِ الجَدِيدَةِ عَلَى الأَرْضِ.

وَلَعَلَّ أَهَمَّ مَا يُمَيِّزُ هَذِهِ الكَلِمَةَ أَنَّهَا لَمْ تَأْتِ مِنْ فَرَاغٍ، وَلَمْ تَكُنْ مُنْفَصِلَةً عَمَّا جَرَى فِي الأَيَّامِ وَالسَّاعَاتِ الَّتِي سَبَقَتْهَا؛ فَقَبْلَ أَنْ يَقِفَ جَلَالَةُ المَلِكِ عَلَى مِنْبَرِ الأُمَمِ المُتَّحِدَةِ، كَانَتْ نُيُويُورْكُ مَسْرَحًا لِسِلْسِلَةٍ مِنَ اللِّقَاءَاتِ وَالمُبَاحَثَاتِ الَّتِي حَمَلَتْ نَفْسَ الرِّسَالَةِ: ضَرُورَةُ وَقْفِ التَّصْعِيدِ، وَحِمَايَةُ أَمْنِ المِنْطَقَةِ وَاسْتِقْرَارِهَا، وَمَنْعُ فَرْضِ وَقَائِعَ جَدِيدَةٍ فِي القُدْسِ وَالضِّفَّةِ الغَرْبِيَّةِ وَغَزَّةَ، وَالتَّمَسُّكُ بِحَقِّ الشَّعْبِ الفِلَسْطِينِيِّ فِي دَوْلَتِهِ المُسْتَقِلَّةِ عَلَى أَسَاسِ حَلِّ الدَّوْلَتَيْنِ.

إِنَّهَا، إِذَنْ، كَلِمَةٌ لَمْ تَبْدَأْ عِنْدَ مِيكْرُوفُونِ الأُمَمِ المُتَّحِدَةِ، بَلْ وَصَلَتْ إِلَيْهِ بَعْدَ أَنْ مَرَّتْ بِعَشَرَاتِ اللِّقَاءَاتِ وَالنِّقَاشَاتِ وَالمَوَاقِفِ، وَبَعْدَ أَنْ أَصْبَحَتِ القَضِيَّةُ الفِلَسْطِينِيَّةُ فِي صُلْبِ كُلِّ جُهْدٍ أَرْدُنِيٍّ لِحِمَايَةِ المِنْطَقَةِ مِنَ الِانْفِجَارِ، وَإِعَادَةِ السَّلَامِ إِلَى مَسَارِهِ الصَّحِيحِ.

وَهُنَا تَكْمُنُ أَهَمِّيَّةُ التَّوْقِيتِ.

فَاجْتِمَاعُ قَادَةِ العَالَمِ فِي الأُمَمِ المُتَّحِدَةِ يَأْتِي فِي لَحْظَةٍ تَحْتَاجُ فِيهَا المِنْطَقَةُ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ وَقْتٍ مَضَى إِلَى دَفْعِ مَسِيرَةِ السَّلَامِ، وَإِلَى لَجْمِ مَسَارَاتِ التَّطَرُّفِ الَّتِي تُهَدِّدُ بِتَحْوِيلِ الصِّرَاعِ مِنْ صِرَاعٍ سِيَاسِيٍّ يُمْكِنُ حَلُّهُ إِلَى صِرَاعٍ مَفْتُوحٍ عَلَى مَجْهُولٍ لَا يَعْرِفُ أَحَدٌ مَدَاهُ.

وَفِي الجِهَةِ الأُخْرَى، يَبْدُو المَشْهَدُ الإِسْرَائِيلِيُّ أَكْثَرَ تَشَدُّدًا مَعَ صُعُودِ خِطَابِ اليَمِينِ المُتَطَرِّفِ، وَمَعَ تَصَاعُدِ الدَّعَوَاتِ إِلَى تَكْرِيسِ الوَاقِعِ فِي الأَرْضِ، وَتَوْسِيعِ الِاسْتِيطَانِ، وَمَنْعِ قِيَامِ دَوْلَةٍ فِلَسْطِينِيَّةٍ. وَقَدْ أَصْبَحَتْ خُطَطُ التَّوَسُّعِ الِاسْتِيطَانِيِّ فِي الضِّفَّةِ، وَمِنْهَا مَخَطَّطُ E1، جُزْءًا مِنْ مَشْهَدٍ يُثِيرُ قَلَقًا دُوَلِيًّا مُتَزَايِدًا بِشَأْنِ إِمْكَانِيَّةِ تَقْوِيضِ أُسُسِ حَلِّ الدَّوْلَتَيْنِ.

وَلَيْسَ التَّهْجِيرُ القَسْرِيُّ لِلْفِلَسْطِينِيِّينَ، سَوَاءٌ فِي غَزَّةَ أَمْ فِي الضِّفَّةِ الغَرْبِيَّةِ، طَرِيقًا إِلَى السَّلَامِ؛ فَالسَّلَامُ الَّذِي يُبْنَى عَلَى إِخْرَاجِ صَاحِبِ الأَرْضِ مِنْ أَرْضِهِ لَيْسَ سَلَامًا، بَلْ إِعَادَةُ تَصْمِيمٍ لِلصِّرَاعِ بِأَدَوَاتٍ أَكْثَرَ خَطَرًا.

وَمِنْ هُنَا كَانَ تَحْذِيرُ جَلَالَةِ المَلِكِ مِنْ مُحَاوَلَاتِ فَرْضِ وَقَائِعَ جَدِيدَةٍ عَلَى الأَرْضِ ذَا دَلَالَةٍ عَمِيقَةٍ؛ فَالأَرْضُ لَا تَتَغَيَّرُ حَقِيقَتُهَا بِكَثْرَةِ الجَرَافَاتِ، وَالحُقُوقُ لَا تَسْقُطُ بِطُولِ الِاحْتِلَالِ، وَالسَّلَامُ لَا يُوَلَدُ مِنْ رَحِمِ الإِكْرَاهِ.

لَقَدْ وَضَعَ جَلَالَةُ المَلِكِ أَمَامَ العَالَمِ سُؤَالًا أَكْبَرَ مِنْ حُدُودِ غَزَّةَ وَالضِّفَّةِ: مَاذَا يَبْقَى مِنْ مَعْنَى القَانُونِ الدَّوْلِيِّ إِذَا أَصْبَحَ تَطْبِيقُهُ انْتِقَائِيًّا؟ وَمَاذَا تَبْقَى مِنْ هَيْبَةِ الشَّرْعِيَّةِ الدَّوْلِيَّةِ إِذَا اسْتَطَاعَتِ القُوَّةُ أَنْ تَتَقَدَّمَ دَائِمًا عَلَى العَدَالَةِ؟

إِنَّهَا لَيْسَتْ قَضِيَّةَ فِلَسْطِينٍ وَحْدَهَا؛ فَحِينَ يَضْعُفُ القَانُونُ أَمَامَ القُوَّةِ فِي مَكَانٍ، يُمْكِنُ أَنْ يَضْعُفَ فِي مَكَانٍ آخَرَ، وَحِينَ تَتَحَوَّلُ قَوَاعِدُهُ إِلَى مَعَايِيرَ مُزْدَوِجَةٍ، يَخْسَرُ العَالَمُ كُلُّهُ جُزْءًا مِنْ ثِقَتِهِ بِالنِّظَامِ الدَّوْلِيِّ.

وَلِذَلِكَ لَمْ تَكُنْ لِقَاءَاتُ جَلَالَةِ المَلِكِ عَلَى هَامِشِ أَعْمَالِ الجَمْعِيَّةِ العَامَّةِ تَفْصِيلًا بَرُوتُوكُولِيًّا؛ فَقَدْ حَمَلَتْ مَوَاقِفَ وَاضِحَةً تُجَاهَ تَطَوُّرَاتِ المِنْطَقَةِ، وَحَذَّرَ جَلَالَتُهُ خِلَالَ لِقَاءِ رَئِيسِ المَجْلِسِ الأُورُوبِّيِّ مِنْ خَطَرِ الِانْتِهَاكَاتِ الإِسْرَائِيلِيَّةِ المُتَزَايِدَةِ فِي الضِّفَّةِ وَالقُدْسِ، كَمَا حَذَّرَ فِي لِقَاءِ الرَّئِيسِ القُبْرُصِيِّ وَدَوْقِ لُكْسِمْبُورْغَ مِنْ خَطَرِ فَرْضِ وَقَائِعَ جَدِيدَةٍ فِي القُدْسِ وَالضِّفَّةِ وَغَزَّةَ، وَشَدَّدَ عَلَى حَقِّ الفِلَسْطِينِيِّينَ فِي دَوْلَتِهِمُ المُسْتَقِلَّةِ.

وَهَكَذَا جَاءَتِ الكَلِمَةُ فِي الأُمَمِ المُتَّحِدَةِ كَأَنَّهَا الحَلْقَةُ الأَخِيرَةُ فِي سِلْسِلَةٍ مِنَ الجُهُودِ؛ لِقَاءَاتٌ وَمُشَاوَرَاتٌ وَمَوَاقِفُ، ثُمَّ كَلِمَةٌ أَمَامَ العَالَمِ كُلِّهِ. وَفِي هَذَا التَّكَامُلِ بَيْنَ الدِّبْلُومَاسِيَّةِ وَالخِطَابِ تَظْهَرُ قِيمَةُ المَوْقِفِ الأَرْدُنِيِّ: أَنْ يَتَحَوَّلَ الصَّوْتُ السِّيَاسِيُّ إِلَى فِعْلٍ، وَأَنْ تَكُونَ الكَلِمَةُ امْتِدَادًا لِلْمَوْقِفِ، لَا بَدِيلًا عَنْهُ.

وَفِي عَالَمٍ يَمْتَلِكُ مِنَ المَعْرِفَةِ وَالتِّكْنُولُوجْيَا مَا لَمْ يَمْتَلِكْهُ الإِنْسَانُ فِي أَيِّ عَصْرٍ مَضَى، يَبْقَى السُّؤَالُ: كَيْفَ يَعْجِزُ هَذَا العَالَمُ عَنْ حِمَايَةِ إِنْسَانٍ مِنْ قَصْفٍ، أَوْ طِفْلٍ مِنْ جُوعٍ، أَوْ شَعْبٍ مِنْ تَهْجِيرٍ؟

إِنَّ الإِنْسَانَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى كَامِيرَا كَيْ يَسْتَحِقَّ الحِمَايَةَ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ تَكُونَ مَأْسَاتُهُ فِي مُقَدِّمَةِ نَشَرَاتِ الأَخْبَارِ كَيْ يَكُونَ جَوْعُهُ وَأَلَمُهُ مَرْئِيَّيْنِ.

وَرُبَّمَا كَانَتْ أَعْمَقُ رَسَائِلِ الكَلِمَةِ أَنَّ فِلَسْطِينَ لَيْسَتْ حَرْبَ أَدْيَانٍ، وَأَنَّ القُدْسَ لَيْسَتْ ذَرِيعَةً لِإِشْعَالِ الكَرَاهِيَةِ بَيْنَ أَتْبَاعِ الأَدْيَانِ، بَلْ هِيَ قَضِيَّةُ حَقٍّ وَأَرْضٍ وَشَعْبٍ وَحُقُوقٍ وَشَرْعِيَّةٍ دَوْلِيَّةٍ، وَقَضِيَّةُ سَلَامٍ يَحْتَاجُ إِلَى عَدَالَةٍ كَيْ يَسْتَقِرَّ، وَإِلَى شَجَاعَةٍ سِيَاسِيَّةٍ كَيْ يُوَلَدَ.

وَهُنَا يَظْهَرُ الأُرْدُنُّ لَا كَمُتَفَرِّجٍ عَلَى العَاصِفَةِ، بَلْ كَدَوْلَةٍ تَعْرِفُ حُدُودَهَا وَمَصَالِحَهَا وَأَمْنَهَا، وَفِي الوَقْتِ نَفْسِهِ تَعْرِفُ أَنَّ اسْتِقْرَارَ المِنْطَقَةِ لَا يَكْتَمِلُ مَا لَمْ تُحَلَّ القَضِيَّةُ الفِلَسْطِينِيَّةُ حَلًّا عَادِلًا، وَمَا لَمْ يَحْصُلِ الشَّعْبُ الفِلَسْطِينِيُّ عَلَى حَقِّهِ فِي الحُرِّيَّةِ وَالدَّوْلَةِ.

وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ المَعْنَى الأَعْمَقُ لِمَا جَرَى فِي نُيُويُورْك: فَجَلَالَةُ المَلِكِ لَمْ يَذْهَبْ إِلَى الأُمَمِ المُتَّحِدَةِ لِيَقُولَ كَلِمَةً وَيَعُودَ، بَلْ ذَهَبَ وَفِي جَعْبَتِهِ مَسَارٌ مِنَ العَمَلِ وَاللِّقَاءَاتِ وَالمَوَاقِفِ، ثُمَّ وَضَعَ خُلَاصَتَهَا أَمَامَ العَالَمِ فِي كَلِمَةٍ وَاضِحَةٍ، صَارِمَةٍ فِي مَوْضِعِ الحَقِّ، وَإِنْسَانِيَّةٍ فِي مَوْضِعِ الأَلَمِ.

لَقَدْ كَانَتْ كَلِمَةً تُرِيدُ لِلسَّلَامِ أَنْ يَعُودَ إِلَى الطَّرِيقِ، وَلِلقَانُونِ أَنْ يَسْتَعِيدَ هَيْبَتَهُ، وَلِلإِنْسَانِ أَنْ يَسْتَعِيدَ مَكَانَتَهُ، وَلِفِلَسْطِينَ أَنْ تَبْقَى قَضِيَّةَ حَقٍّ لَا قَضِيَّةَ نِسْيَانٍ.

وَحِينَ خَرَجَتِ الكَلِمَةُ مِنْ قَاعَةِ الأُمَمِ المُتَّحِدَةِ، بَقِيَ السُّؤَالُ مُعَلَّقًا فِي سَقْفِ العَالَمِ:

هَلْ نُرِيدُ قَانُونًا يُكْتَبُ عَلَى الوَرَقِ، أَمْ عَدَالَةً تَمْشِي عَلَى الأَرْضِ؟

فِي زَمَنٍ تَرْتَفِعُ فِيهِ أَصْوَاتُ التَّطَرُّفِ، وَتَتَّسِعُ فِيهِ خُطَطُ الِاسْتِيطَانِ وَفَرْضِ الوَقَائِعِ، تَبْقَى كَلِمَةُ جَلَالَةِ المَلِكِ عَبْدِاللهِ الثَّانِي تَذْكِيرًا بِأَنَّ السَّلَامَ لَيْسَ ضَعْفًا، وَأَنَّ التَّمَسُّكَ بِالحَقِّ لَيْسَ تَرَفًا، وَأَنَّ صَوْتَ العَقْلِ قَدْ يَكُونُ أَقْوَى مِنْ ضَجِيجِ السِّيَاسَةِ.

فَإِذَا كَانَتِ القُوَّةُ تَرْفَعُ صَوْتَهَا، فَإِنَّ لِلْحَقِّ صَوْتًا؛ وَإِذَا كَانَ التَّطَرُّفُ يَرْفَعُ سَقْفَهُ، فَإِنَّ لِلسَّلَامِ مَنْ يَرْفَعُ رَايَتَهُ؛ وَكَانَ الأُرْدُنُّ، بِصَوْتِ مَلِكِهِ، يَقُولُ لِلْعَالَمِ: لَا سَلَامَ بِدُونِ عَدَالَةٍ، وَلَا عَدَالَةَ بِدُونِ حَقٍّ.

زر الذهاب إلى الأعلى