التَّطْوِيرُ لَا يَنْتَظِرُ الَّذِينَ يَقِفُونَ عِنْدَ حَافَّةِ الطَّرِيقِ

حِينَ يَكُونُ التَّطْوِيرُ مَشْرُوعًا لِبِنَاءِ الإِنْسَانِ، فَإِنَّ النَّقْدَ الَّذِي يُنِيرُ الطَّرِيقَ مَرْحَبٌ بِهِ، أَمَّا النَّقْدُ الَّذِي يَسْكُنُ فِي الظِّلِّ فَلَا يَصْنَعُ شَمْسًا.
التَّطْوِيرُ لَا يَنْتَظِرُ الَّذِينَ يَقِفُونَ عِنْدَ حَافَّةِ الطَّرِيقِ
بِقَلَمِ: الدُّكْتُورِ زَيْدِ مُوسَى أَبُو زَيْد
حِينَ يَكُونُ التَّغْيِيرُ ضَرُورَةً لَا تَرَفًا : لَيْسَ التَّطْوِيرُ فِكْرَةً تَخْطُرُ فِي الذِّهْنِ ثُمَّ تَمْضِي، وَلَا قَرَارًا إِدَارِيًّا يُكْتَبُ فِي وَرَقَةٍ ثُمَّ يُوضَعُ فِي مَلَفٍّ، بَلْ هُوَ حَالَةٌ حَيَّةٌ تُشْبِهُ الإِنْسَانَ فِي نُمُوِّهِ؛ فَمَنْ يَتَوَقَّفْ عَنِ النُّمُوِّ، يَبْدَأْ فِي التَّرَاجُعِ، وَمَنْ يَرْفُضِ التَّغْيِيرَ بِاسْمِ المُحَافَظَةِ عَلَى المَأْلُوفِ، قَدْ يَكْتَشِفُ بَعْدَ سَنَوَاتٍ أَنَّهُ لَمْ يُحَافِظْ عَلَى شَيْءٍ، بَلْ أَخَّرَ مَا كَانَ يَجِبُ أَنْ يَتَقَدَّمَ.
وَلِذَلِكَ، فَإِنَّ تَطْوِيرَ أَيِّ بِنَاءٍ اقْتِصَادِيٍّ أَوْ سِيَاسِيٍّ أَوْ اجْتِمَاعِيٍّ فِي أَيِّ دَوْلَةٍ، لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَسِيرَ رَدِّ فِعْلٍ عَابِرٍ، أَوْ نَقْدٍ لَا يَقُومُ عَلَى مَعْرِفَةٍ، أَوْ مُجَرَّدِ رَغْبَةٍ فِي مُخَالَفَةِ كُلِّ مَا هُوَ جَدِيدٌ.
النَّقْدُ الَّذِي نَحْتَرِمُهُ هُوَ النَّقْدُ الَّذِي يَسْأَلُ: مَاذَا نُطَوِّرُ؟ وَلِمَاذَا؟ وَكَيْفَ؟ وَمَا البَدَائِلُ؟ وَمَا مَوَاطِنُ الخَلَلِ؟
أَمَّا أَنْ نَقُولَ: «لَا»، ثُمَّ نَنْصَرِفَ، فَهَذَا لَيْسَ نَقْدًا؛ إِنَّهُ مُجَرَّدُ وُقُوفٍ فِي مُنْتَصَفِ الطَّرِيقِ.
التَّوْجِيهُ النَّقْدِيُّ لَا يُعَادِي التَّطْوِيرَ : أَنَا لَسْتُ مَعَ التَّطْوِيرِ لِأَنَّهُ تَطْوِيرٌ، وَلَا ضِدَّهُ لِأَنَّهُ جَدِيدٌ؛ أَنَا مَعَ مَا يَخْدُمُ الإِنْسَانَ وَالدَّوْلَةَ وَالمُجْتَمَعَ.
وَلِذَلِكَ، فَإِنَّ النَّقْدَ الإِيجَابِيَّ الَّذِي يَدْخُلُ فِي صُلْبِ المَشْرُوعِ التَّطْوِيرِيِّ، وَيُقَدِّمُ فِكْرَةً أَوْ اقْتِرَاحًا أَوْ تَصْحِيحًا أَوْ تَحْذِيرًا مِنْ خَلَلٍ مُحْتَمَلٍ، هُوَ نَقْدٌ مَحَلُّ تَقْدِيرٍ وَاحْتِرَامٍ؛ لِأَنَّ المُجْتَمَعَ الَّذِي لَا يَسْمَعُ إِلَّا صَوْتَ المُوَافَقَةِ، مُجْتَمَعٌ يَسِيرُ بِأُذُنٍ وَاحِدَةٍ فِي طَرِيقٍ ذِي اتِّجَاهَيْنِ.
أَمَّا النَّقْدُ الَّذِي لَا يَقْرَأُ المَشْرُوعَ، وَلَا يَفْهَمُ مُقَدِّمَاتِهِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَى نَتَائِجِهِ المُحْتَمَلَةِ، ثُمَّ يَبْنِي أَحْكَامَهُ عَلَى افْتِرَاضَاتٍ أَوْ انْطِبَاعَاتٍ أَوْ رَغْبَةٍ فِي الظُّهُورِ، فَهَذَا نَقْدٌ لَا يَبْنِي، بَلْ قَدْ يُرْبِكُ.
وَمِنْ هُنَا: الثَّانَوِيَّةُ العَامَّةُ لَيْسَتْ وَرَقَةَ امْتِحَانٍ
لَقَدْ كَتَبْتُ مُؤَخَّرًا عَنْ تَطْوِيرِ امْتِحَانِ الثَّانَوِيَّةِ العَامَّةِ فِي الأُرْدُنِّ، وَأَرَى اليَوْمَ أَنَّ بَعْضَ مَا طَرَحَهُ بَعْضُ النَّاقِدِينَ قَدْ بُنِيَ عَلَى قِرَاءَةٍ جُزْئِيَّةٍ لِلْمَشْرُوعِ، أَوْ عَلَى التَّعَامُلِ مَعَ الامْتِحَانِ بِاعْتِبَارِهِ قِطْعَةً مُنْفَصِلَةً عَنْ جَسَدِ النِّظَامِ التَّعْلِيمِيِّ كُلِّهِ.
وَهُنَا تَكْمُنُ المُشْكِلَةُ.
فَالثَّانَوِيَّةُ العَامَّةُ لَيْسَتْ غَايَةً، وَالامْتِحَانُ لَيْسَ وَرَقَةَ أَسْئِلَةٍ وَأَجْوِبَةٍ؛ إِنَّهُ جُزْءٌ مِنْ مَشْرُوعٍ أَوْسَعَ يَتَّصِلُ بِبِنَاءِ الإِنْسَانِ، وَبِمُسْتَقْبَلِ سُوقِ العَمَلِ، وَبِالتَّعْلِيمِ المِهْنِيِّ وَالتِّقَنِيِّ، وَبِالتَّعْلِيمِ العَالِي، وَبِالْقُدْرَةِ عَلَى مُوَاءَمَةِ مَخْرَجَاتِ التَّعْلِيمِ مَعَ احْتِيَاجَاتِ المُجْتَمَعِ وَالاقْتِصَادِ.
وَلِذَلِكَ، فَإِنَّ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَنْتَقِدَ تَطْوِيرَ الثَّانَوِيَّةِ العَامَّةِ، عَلَيْهِ أَنْ يَقْرَأَ المَشْهَدَ كُلَّهُ، لَا أَنْ يَنْظُرَ إِلَى إِطَارِ الصُّورَةِ وَيَتْرُكَ مَا فِي دَاخِلِهَا.
مِنْ- وِزَارَةِ التَّرْبِيَةِ وَالتَّعْلِيمِ- إِلَى – تَنْمِيَةِ المَوَارِدِ البَشَرِيَّةِ-
وَأَعْتَقِدُ أَنَّ أَهَمَّ مَا يَجْرِي اليَوْمَ لَيْسَ تَغْيِيرَ اسْمٍ عَلَى لَوْحَةِ الوِزَارَةِ، بَلْ تَغْيِيرُ الفَلْسَفَةِ الَّتِي تَقِفُ خَلْفَ هَذَا الاسْمِ.
فَقَانُونُ التَّرْبِيَةِ وَالتَّعْلِيمِ وَتَنْمِيَةِ المَوَارِدِ البَشَرِيَّةِ رَقْمَ (١٣) لِسَنَةِ ٢٠٢٦، وَنِظَامُ التَّنْظِيمِ الإِدَارِيِّ الجَدِيدُ، يَضَعَانِ إِطَارًا مُؤَسَّسِيًّا مُخْتَلِفًا، يَهْدِفُ إِلَى تَنْظِيمِ الهَيْكَلِ وَتَوْضِيحِ الأَدْوَارِ وَالمَسْؤُولِيَّاتِ وَالصَّلَاحِيَّاتِ، وَتَعْزِيزِ الحَوْكَمَةِ وَالشَّفَافِيَّةِ وَالمُسَاءَلَةِ وَكَفَاءَةِ الأَدَاءِ المُؤَسَّسِيِّ. 
وَيَتَكَوَّنُ الهَيْكَلُ الجَدِيدُ مِنْ ثَلَاثَةِ أُمَنَاءَ عَامِّينَ: لِلتَّخْطِيطِ وَالدَّعْمِ المُؤَسَّسِيِّ، وَلِشُؤُونِ المَدَارِسِ، وَلِلتَّعْلِيمِ، إِلَى جَانِبِ إِدَارَاتٍ مُتَخَصِّصَةٍ فِي التَّخْطِيطِ وَتَطْوِيرِ السِّيَاسَاتِ، وَالتَّعْلِيمِ المِهْنِيِّ وَالتِّقَنِيِّ، وَالتَّعْلِيمِ العَالِي، وَغَيْرِهَا.
وَهَذَا، فِي رَأْيِي، هُوَ التَّغْيِيرُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ نَقِفَ عِنْدَهُ طَوِيلًا؛ لِأَنَّهُ يَنْقُلُ التَّفْكِيرَ مِنْ سُؤَالِ: كَمْ مُوَظَّفًا عِنْدَنَا؟ إِلَى سُؤَالِ: مَاذَا نُرِيدُ مِنْ هَذِهِ المُؤَسَّسَةِ أَنْ تُنْتِجَ؟
وَهَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ وَزِيرُ التَّرْبِيَةِ مُعَلِّمًا فَقَطْ؟
وَهُنَا أَتَوَقَّفُ عِنْدَ سُؤَالٍ أُثِيرَ فِي بَعْضِ النِّقَاشَاتِ: هَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ وَزِيرُ التَّرْبِيَةِ وَالتَّعْلِيمِ مُعَلِّمًا حَصْرًا؟
السُّؤَالُ مَشْرُوعٌ، وَلَكِنَّ الإِجَابَةَ تَحْتَاجُ إِلَى تَعْرِيفٍ دَقِيقٍ لِمَفْهُومِ
-التِّقْنُوقْرَاط- ، فَوَزِيرُ التَّرْبِيَةِ لَيْسَ مُدِيرَ مَدْرَسَةٍ كُبْرَى، وَلَا رَئِيسَ قِسْمٍ أَكَادِيمِيٍّ، بَلْ هُوَ قَائِدٌ سِيَاسِيٌّ وَمُؤَسَّسِيٌّ لِقِطَاعٍ وَطَنِيٍّ كَبِيرٍ.
وَإِذَا كَانَ المِعْيَارُ هُوَ أَنْ يَكُونَ الوَزِيرُ مُعَلِّمًا بِالمَعْنَى الضَّيِّقِ، فَإِنَّنَا نُغْفِلُ حَقِيقَةً مُهِمَّةً: أَنَّ قِيَادَةَ وَزَارَةٍ بِحَجْمِ وَزَارَةِ التَّرْبِيَةِ وَالتَّعْلِيمِ تَحْتَاجُ إِلَى أَكْثَرَ مِنْ مَعْرِفَةِ المَنْهَاجِ وَغُرْفَةِ الصَّفِّ؛ تَحْتَاجُ إِلَى رُؤْيَةٍ وَطَنِيَّةٍ، وَقُدْرَةٍ عَلَى صُنْعِ السِّيَاسَةِ، وَفَهْمٍ لِلاِقْتِصَادِ وَالمُجْتَمَعِ وَسُوقِ العَمَلِ، وَقُدْرَةٍ عَلَى إِدَارَةِ التَّغْيِيرِ.
وَقَدْ عَرَفَ الأُرْدُنُّ فِي مَرَاحِلَ مُخْتَلِفَةٍ وُزَرَاءَ لِلتَّرْبِيَةِ جَاؤُوا مِنْ خَلْفِيَّاتٍ أَكَادِيمِيَّةٍ وَمِهَنِيَّةٍ مُتَنَوِّعَةٍ، وَكَانَ مِنْهُمْ أَطْبَاءُ وَمُهَنْدِسُونَ وَأَكَادِيمِيُّونَ، وَهَذَا لَا يَعْنِي أَنَّ التَّخَصُّصَ التَّرْبَوِيَّ لَا أَهَمِّيَّةَ لَهُ، بَلْ يَعْنِي أَنَّ الإِدَارَةَ العُلْيَا لِلتَّعْلِيمِ تَحْتَاجُ إِلَى عَقْلٍ وَاسِعٍ، وَخِبْرَةٍ، وَقُدْرَةٍ عَلَى صُنْعِ السِّيَاسَةِ وَإِدَارَةِ المَنْظُومَةِ.
فَالمُعَلِّمُ أَسَاسُ المَدْرَسَةِ، وَلَكِنَّ الوَزِيرَ مُسْؤُولٌ عَنْ مَنْظُومَةٍ أَكْبَرَ مِنَ الفَصْلِ الدِّرَاسِيِّ.
المَشْرُوعُ لَيْسَ ابْنَ قَرَارٍ فَرْدِيٍّ : وَمِنْ أَهَمِّ مَا يَجِبُ أَنْ نَتَذَكَّرَهُ أَنَّ تَطْوِيرَ امْتِحَانِ الثَّانَوِيَّةِ العَامَّةِ لَيْسَ فِكْرَةً وُلِدَتْ فِي مَكْتَبِ وَزِيرٍ، ثُمَّ خَرَجَتْ إِلَى النَّاسِ فَجْأَةً.
المَشَارِيعُ الوَطَنِيَّةُ الكُبْرَى تُبْنَى بِالتَّرَاكُمِ، وَبِاللِّجَانِ، وَالدِّرَاسَاتِ، وَالتَّخْطِيطِ، وَالمُرَاجَعَةِ، ثُمَّ تَأْتِي القِيَادَةُ السِّيَاسِيَّةُ وَالإِدَارِيَّةُ لِتَحْوِيلِ الفِكْرَةِ إِلَى تَشْرِيعٍ وَسِيَاسَةٍ وَتَطْبِيقٍ.
وَهُنَا تَبْرُزُ قِيمَةُ السُّؤَالِ الَّذِي طُرِحَ حَوْلَ مَنْ شَارَكُوا سَابِقًا فِي صِيَاغَةِ أَفْكَارِ تَطْوِيرِ الثَّانَوِيَّةِ العَامَّةِ، ثُمَّ عَادُوا لِيَنْتَقِدُوا التَّطْبِيقَ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَإِنْ كَانَتْ لَدَى أَيِّ شَخْصٍ مُلَاحَظَاتٌ جَوْهَرِيَّةٌ عَلَى التَّطْبِيقِ، فَمَرْحَبًا بِهَا؛ فَالتَّطْبِيقُ يَحْتَاجُ إِلَى تَقْوِيمٍ مُسْتَمِرٍّ. وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ أَنْ نَتَحَوَّلَ مِنْ مُسَاهِمِينَ فِي صُنْعِ الفِكْرَةِ إِلَى مُعَارِضِينَ لِمُجَرَّدِ أَنَّ الفِكْرَةَ غَادَرَتْ مَرْحَلَةَ الوَرَقِ وَدَخَلَتْ مَرْحَلَةَ التَّطْبِيقِ.
الثَّانَوِيَّةُ الجَدِيدَةُ وَإِعَادَةُ اكْتِشَافِ الطَّالِبِ : إِنَّ الجَدَلَ حَوْلَ الثَّانَوِيَّةِ العَامَّةِ يَجِبُ أَنْ يَنْتَقِلَ مِنْ سُؤَالِ: «كَيْفَ نُمْتَحِنُ الطَّالِبَ؟» إِلَى سُؤَالٍ أَعْمَقَ:
– كَيْفَ نُعِدُّ الطَّالِبَ لِلْحَيَاةِ؟- ، وَهَذَا فَرْقٌ كَبِيرٌ.
فَالمَدْرَسَةُ لَيْسَتْ مَمَرًّا إِلَى وَرَقَةٍ تُسَمَّى «شَهَادَةَ الثَّانَوِيَّةِ العَامَّةِ»، بَلْ هِيَ مَرْحَلَةُ تَشْكِيلِ الإِنْسَانِ، وَاكْتِشَافِ مَيُولِهِ، وَتَنْقِيَةِ مَوَاهِبِهِ، وَإِعْدَادِهِ لِيَكُونَ مُوَاطِنًا وَمُنْتِجًا وَقَادِرًا عَلَى التَّعَلُّمِ وَالعَمَلِ.
وَلِذَلِكَ، فَإِنَّ تَوْجِيهَ الطَّالِبِ وَفْقَ مَيُولِهِ وَقُدُرَاتِهِ، وَتَوْسِيعَ مَسَاحَاتِ التَّعْلِيمِ المِهْنِيِّ وَالتِّقَنِيِّ، وَرَبْطَ التَّعْلِيمِ بِسُوقِ العَمَلِ، لَيْسَ تَرَاجُعًا عَنِ التَّعْلِيمِ الأَكَادِيمِيِّ؛ بَلْ هُوَ إِعَادَةٌ لِلتَّوَازُنِ بَيْنَ مَا يَتَعَلَّمُهُ الإِنْسَانُ وَمَا يَحْتَاجُهُ المُجْتَمَعُ.
وَفِي هَذَا السِّيَاقِ، تَأْخُذُ مَسَارَاتُ التَّعْلِيمِ المِهْنِيِّ وَالتِّقَنِيِّ، وَمِنْهَا نِظَامُ BTEC، أَهَمِّيَّةً خَاصَّةً؛ لِأَنَّ سُوقَ العَمَلِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى الشَّهَادَاتِ وَحْدَهَا، بَلْ يَحْتَاجُ إِلَى المَهَارَةِ، وَإِلَى إِنْسَانٍ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُحَوِّلَ مَا تَعَلَّمَهُ إِلَى إِنْتَاجٍ.
فَالْعَامِلُ المَاهِرُ لَيْسَ حَلَقَةً صَغِيرَةً فِي اقْتِصَادٍ كَبِيرٍ؛ بَلْ هُوَ لَبِنَةٌ فِي بِنَاءِ الإِنْتَاجِ الوَطَنِيِّ كُلِّهِ.
مِنْ ثَقَافَةِ الرُّسُوبِ إِلَى ثَقَافَةِ التَّعَلُّمِ : وَلَعَلَّ أَعْمَقَ مَا فِي هَذَا التَّحَوُّلِ أَنَّهُ يَضَعُنَا أَمَامَ سُؤَالٍ إِنْسَانِيٍّ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ تَرْبَوِيًّا:
هَلْ نُرِيدُ مَدْرَسَةً تَحْكُمُ عَلَى الطَّالِبِ بِالفَشَلِ، أَمْ مَدْرَسَةً تُسَاعِدُهُ عَلَى اكْتِشَافِ طَرِيقِهِ؟
إِنَّ تَغْيِيرَ مَفْهُومِ الرُّسُوبِ وَإِعَادَةَ النَّظَرِ فِي مَعَايِيرِ النَّجَاحِ يَعْنِي أَنَّنَا نَنْقُلُ المَدْرَسَةَ مِنْ مَنْطِقِ «النَّجَاحِ أَوِ السُّقُوطِ» إِلَى مَنْطِقِ «التَّعَلُّمِ وَالتَّقَدُّمِ».
وَهَذَا لَا يَعْنِي إِلْغَاءَ المَعَايِيرِ، وَلَا تَخْفِيفَ قِيمَةِ التَّحْصِيلِ، بَلْ يَعْنِي أَنْ نُدْرِكَ أَنَّ الطَّالِبَ لَيْسَ رَقْمًا عَلَى وَرَقَةٍ، وَأَنَّ مُسْتَقْبَلَهُ لَا يَجِبُ أَنْ يُخْتَزَلَ فِي لَحْظَةِ امْتِحَانٍ وَاحِدَةٍ.
وَمِنْ هُنَا أَيْضًا تَأْتِي أَهَمِّيَّةُ إِعَادَةِ النَّظَرِ فِي العَلَاقَةِ بَيْنَ مَخْرَجَاتِ المَدْرَسَةِ وَالْقَبُولِ الجَامِعِيِّ وَاحْتِيَاجَاتِ سُوقِ العَمَلِ؛ فَلَا يَصِحُّ أَنْ نُخَرِّجَ أَعْدَادًا كَبِيرَةً مِنْ خَرِّيجِي تَخَصُّصَاتٍ مُشْبَعَةٍ، ثُمَّ نَسْأَلَ بَعْدَ ذَلِكَ: لِمَاذَا لَمْ يَجِدِ الشَّبَابُ عَمَلًا؟
وَإِعَادَةُ النَّظَرِ فِي التَّخَصُّصَاتِ وَالطَّاقَاتِ الاِسْتِيعَابِيَّةِ، وَرَبْطُهَا بِاحْتِيَاجَاتِ سُوقِ العَمَلِ، هِيَ جُزْءٌ مِنْ هَذَا التَّحَوُّلِ الَّذِي يَنْظُرُ إِلَى التَّعْلِيمِ بِاعْتِبَارِهِ اسْتِثْمَارًا فِي الإِنْسَانِ، لَا مُجَرَّدَ إِنْتَاجٍ لِلشَّهَادَاتِ.
التَّطْوِيرُ كَائِنٌ حَيٌّ : أَنَا أَنْظُرُ إِلَى مَا يَجْرِي فِي التَّرْبِيَةِ وَالتَّعْلِيمِ اليَوْمَ بِاعْتِبَارِهِ مَشْرُوعًا مُتَحَرِّكًا، لَا صُورَةً مُعَلَّقَةً عَلَى جِدَارٍ.
وَالمَشْرُوعُ الحَيُّ لَا يَكْتَمِلُ فِي يَوْمٍ، وَلَا يُقَدَّسُ فِي صِيغَتِهِ الأُولَى؛ بَلْ يَتَطَوَّرُ، وَيُرَاجَعُ، وَيُقَوَّمُ، وَيَتَعَلَّمُ مِنْ أَخْطَائِهِ.
وَهَذَا هُوَ مَعْنَى التَّطْوِيرِ الحَقِيقِيِّ.
فَلَا أُرِيدُ مِنَ النَّاقِدِ أَنْ يُصَفِّقَ، وَلَا مِنَ المُؤَيِّدِ أَنْ يُغْلِقَ عَيْنَيْهِ؛ أُرِيدُ مِنَ الجَمِيعِ أَنْ يَقْرَأَ المَشْرُوعَ قَبْلَ أَنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يَقْتَرِحَ قَبْلَ أَنْ يَرْفُضَ، وَأَنْ يُقَدِّمَ بَدِيلًا إِذَا رَأَى خَلَلًا.
لِأَنَّ الوَطَنَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى مَعَارَكَ صَوْتِيَّةٍ، بَلْ يَحْتَاجُ إِلَى عُقُولٍ تَتَحَاوَرُ، وَأَقْلَامٍ تَقْرَأُ، وَمُؤَسَّسَاتٍ تَتَعَلَّمُ، وَقَادَةٍ تَمْتَلِكُ الشَّجَاعَةَ لِتُغَيِّرَ مَا يَجِبُ تَغْيِيرُهُ.
لَا نُرِيدُ أَنْ نَخَافَ مِنَ المُسْتَقْبَلِ
إِنَّ أَكْبَرَ خَطَأٍ يُمْكِنُ أَنْ نَرْتَكِبَهُ فِي التَّرْبِيَةِ وَالتَّعْلِيمِ هُوَ أَنْ نُعِدَّ أَبْنَاءَنَا لِعَالَمٍ لَمْ يَعُدْ مَوْجُودًا.
العَالَمُ يَتَغَيَّرُ، وَالاقْتِصَادُ يَتَغَيَّرُ، وَالمِهَنُ تَتَغَيَّرُ، وَالتِّقْنِيَةُ تَتَغَيَّرُ، وَمِنْ ثَمَّ يَجِبُ أَنْ يَتَغَيَّرَ التَّعْلِيمُ.
وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يُخِيفُ.
الَّذِي يُخِيفُ حَقًّا هُوَ أَنْ نَبْقَى فِي مَكَانِنَا، ثُمَّ نَطْلُبَ مِنَ العَالَمِ أَنْ يَتَوَقَّفَ حَتَّى نَلْحَقَ بِهِ.
إِنَّ مَشْرُوعَ تَطْوِيرِ الثَّانَوِيَّةِ العَامَّةِ، وَإِعَادَةَ بِنَاءِ الهَيْكَلِ الإِدَارِيِّ لِوِزَارَةِ التَّرْبِيَةِ وَالتَّعْلِيمِ وَتَنْمِيَةِ المَوَارِدِ البَشَرِيَّةِ، وَتَوْسِيعَ مَسَارَاتِ التَّعْلِيمِ المِهْنِيِّ وَالتِّقَنِيِّ، وَمُرَاجَعَةَ العَلَاقَةِ بَيْنَ التَّعْلِيمِ وَسُوقِ العَمَلِ، كُلُّهَا لَيْسَتْ مَلَفَّاتٍ مُتَفَرِّقَةً؛ إِنَّهَا فَصْلٌ وَاحِدٌ مِنْ كِتَابٍ أَكْبَرَ عُنْوَانُهُ: بِنَاءُ الإِنْسَانِ الأُرْدُنِّيِّ لِلْمُسْتَقْبَلِ.
وَأَنَا أَقُولُهَا بِوُضُوحٍ: التَّطْوِيرُ حَالَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ، كَالكَائِنِ الحَيِّ؛ يَنْمُو، وَيَتَغَيَّرُ، وَيَتَكَيَّفُ، وَيَتَعَلَّمُ. أَمَّا السُّكُونُ فَلَيْسَ اسْتِقْرَارًا دَائِمًا؛ فَقَدْ يَكُونُ أَوَّلَ أَشْكَالِ المَوْتِ.
لَا نَحْتَاجُ إِلَى أَنْ نُقَدِّسَ التَّطْوِيرَ، وَلَا إِلَى أَنْ نَخَافَ مِنْهُ؛ نَحْتَاجُ فَقَطْ أَنْ نَكُونَ شُرَكَاءَ فِي صُنْعِهِ، فَالوَطَنُ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَكْتُبَ مُسْتَقْبَلَهُ، لَا يَجُوزُ أَنْ يَكْتَفِيَ بِقِرَاءَةِ مَاضِيهِ.





