ألاء أبو خضرة.. حين تتحول الإرادة إلى فن وبطولات

بقلم: وسام نصر الله
في كل مرة يبدو فيها فقدان البصر حاجزا أمام تحقيق الأحلام، تظهر قصص تفرض قراءة مختلفة لمعنى الإرادة. فبين عدسة الكاميرا، ولوحة الرسم، وحلبة الجودو، ومضمار ألعاب القوى، صنعت الأردنية ألاء إبراهيم إسماعيل أبو خضرة مسارا مختلفا، لم تجعل فيه الإعاقة عنوانا لحياتها، بل نقطة انطلاق نحو تجربة جمعت الفن والرياضة والتحصيل الأكاديمي في آن واحد.
على مدى أكثر من 17 عاما، تنقلت ألاء بين مجالات متعددة، مدفوعة بقناعة أن الإبداع لا يرتبط بما تراه العين، بل بما يدركه الإنسان من إحساس وقدرة على تحويل التحديات إلى فرص. فمن الرسم إلى التصوير الفوتوغرافي، ومن المنافسات الرياضية إلى التدريب، وصولا إلى الدراسة الجامعية، رسمت لنفسها مسيرة تقوم على المثابرة والتطوير المستمر.
الفن بوابة لاكتشاف العالم
بدأت رحلة ألاء مع الفن داخل “محترف قارئ اللون”، بإشراف الفنان التشكيلي سهيل بقاعين، الذي لعب دورا محوريا في صقل موهبتها منذ خطواتها الأولى.
وفي البداية اعتمدت على اللمس والإحساس في تعلم الرسم، قبل أن تطور أدواتها الفنية لتصبح قادرة على التفاعل مع الألوان والتكوينات من خلال الإدراك الحسي والتمييز بين الروائح، في تجربة فنية مختلفة عن الأساليب التقليدية.
وخلال هذه الرحلة، أتقنت العمل باستخدام خامات فنية متنوعة، من بينها ألوان الأكريليك، والباستيل، والألوان الزيتية، وشاركت في عدد من المعارض، أبرزها “ما وراء البصر” و”ظلال وعبق اللون”، اللذان قدما تجربة فنية تعكس قدرة الإنسان على تجاوز حدود الرؤية التقليدية.
ولم يتوقف شغفها عند الرسم، بل اتجهت إلى التصوير الفوتوغرافي، لتصبح من الوجوه المشاركة في مهرجان جرش للثقافة والفنون على مدار سنوات، وشاركت في النسخة الأخيرة إلى جانب الفنان سهيل بقاعين.
كما حظيت خلال مسيرتها بلقاء جلالة الملك عبد الله الثاني، وجلالة الملكة رانيا العبد الله، وسمو الأمير الحسين بن عبد الله الثاني ولي العهد، وسمو الأميرة رجوة الحسين، في محطات شكلت دعما معنويا لمسيرتها الفنية والإنسانية.
من الملاعب إلى منصات التتويج
بالتوازي مع الفن، خاضت ألاء تجربة رياضية امتدت عبر أكثر من لعبة، بدأت مع كرة الهدف للمكفوفين، التي مارستها لأكثر من عشرة أعوام، قبل أن تنتقل إلى ألعاب القوى، حيث نافست في سباقات المسافات القصيرة والمتوسطة والطويلة، وحققت خلالها عددا من الميداليات والمراكز المتقدمة.
لكن التحول الأبرز جاء مع دخولها رياضة الجودو في نهاية عام 2021. ورغم حداثة تجربتها، نجحت في إحراز الميدالية الفضية في أول بطولة تشارك فيها، قبل أن تحقق إنجازا لافتا بحصولها على الميدالية الذهبية في البطولة العربية للجودو للمكفوفين، مؤكدة قدرتها على المنافسة في واحدة من أكثر الرياضات تحديا.
الدراسة طريق مواز للنجاح
ولم تكتف ألاء بالإنجازات الفنية والرياضية، بل اختارت أن تدعم تجربتها بالتأهيل الأكاديمي، فالتحقت بتخصص علوم الحركة والتدريب الرياضي، بدافع الشغف والرغبة في تطوير معرفتها العلمية.
ورغم التحديات التي واجهتها خلال سنوات الدراسة، تمكنت من التخرج بتقدير جيد جدا، في تجربة أثبتت أن الإرادة يمكن أن تتغلب على الصعوبات الأكاديمية كما تتغلب على تحديات الرياضة.
وواصلت بعد ذلك تطوير مسيرتها بالحصول على دبلوم الإدارة والتنظيم للجان البارالمبية، المعتمد من المكتب التنفيذي لمنطقة غرب آسيا، كما حصلت على دورة متخصصة في تدريب كرة الهدف للمكفوفين، نظمتها اللجان البارالمبية لمنطقة غرب آسيا في الشارقة.
وبهذا الانتقال من مقاعد المنافسة إلى التدريب، بدأت ألاء مرحلة جديدة من مسيرتها، تقوم على نقل خبرتها إلى أجيال جديدة من الرياضيين، والإسهام في تطوير رياضة الأشخاص ذوي الإعاقة.
قصة تتجاوز الإنجازات
لا تختصر تجربة ألاء أبو خضرة بعدد الميداليات أو المشاركات الفنية، بل في قدرتها على كسر الصورة النمطية المرتبطة بالإعاقة البصرية، وتقديم نموذج يجمع بين الإبداع الفني، والتفوق الرياضي، والتأهيل العلمي.
وفي وقت تتزايد فيه الدعوات إلى تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة وإتاحة الفرص أمامهم، تبدو تجربتها شاهدا على أن الاستثمار الحقيقي يبدأ بإتاحة الفرصة، وأن الإرادة، عندما تجد البيئة الداعمة، قادرة على صناعة قصص نجاح تتجاوز حدود الممكن.





