أسيل رمان.. ترسم بالألوان ما لا تراه العين

كرم الإخبارية – خاص- وسام نصر الله

لم تكن اللوحات المعلقة على جدران معرض “عبق اللون”، الذي احتضنه المركز الثقافي الملكي ضمن برنامج “بشاير” في مهرجان جرش للثقافة والفنون 2026، مجرد أعمال تشكيلية عابرة، فخلف الألوان المتجاورة والخطوط المتقاطعة والتفاصيل التي ازدحمت بها اللوحات، كانت هناك حكايات أصحابها، وتجاربهم الخاصة مع الفن والحياة.

لكن ما أثار دهشة الزوار لم يكن جمال الأعمال وحده، بل هوية من يقفون خلفها؛ فنانون مكفوفون وضعاف بصر استطاعوا أن يحولوا إحساسهم بالعالم إلى لوحات تنبض بالألوان والمعاني.

بين حضور المعرض، الذين كانوا يتنقلون بين الأعمال ويتوقفون طويلا أمامها، وقفت الفنانة الشابة أسيل رمان إلى جانب إحدى لوحاتها، تستقبل أسئلة الزوار التي تتكرر في كل معرض تشارك فيه: “هل أنتِ من رسم هذه اللوحة؟”. سؤال يحمل في داخله دهشة كبيرة، لكنه بالنسبة لأسيل أصبح مدخلا للحديث عن رحلة طويلة بدأت بالإيمان بالموهبة، قبل أن تصبح واقعا تراه أمامها معلقا على جدران المعارض.

لم تبدأ حكاية أسيل في قاعات كلية الفنون، بل قبل سنوات، عندما كانت طالبة في المدرسة، وهناك التقت بالفنان التشكيلي سهيل بقاعين، مؤسس مبادرة “عبق اللون”، التي فتحت أمام المكفوفين وضعاف البصر نافذة جديدة لاكتشاف قدراتهم الفنية، من خلال أساليب وأدوات تراعي خصوصية تجربتهم، وتمنحهم فرصة للتعبير عن أنفسهم عبر الرسم.

تتحدث أسيل عن تلك المرحلة باعتبارها نقطة التحول في حياتها، حيث لم تكن المبادرة مجرد ورشة فنية، بل مساحة لاكتشاف الذات، وإعادة تعريف علاقتها بالعالم، وللمرة الأولى، وجدت وسيلة تعبر بها عن أفكارها ومشاعرها بعيدا عن القيود التي يفرضها ضعف البصر.

كبرت التجربة معها، كما كبرت أحلامها، وشاركت في معارض فنية متعددة، وكان مهرجان جرش محطة تتكرر عاما بعد آخر، حتى أصبحت اليوم طالبة في كلية الفنون والتصميم في الجامعة الأردنية، تدرس الفنون البصرية – تخصص الرسم (Painting)، بعد أن كان دخول الكلية أحد أكبر أحلامها.

تقول إن مشاركتها هذا العام تختلف عن سابقاتها، فهي الثانية منذ التحاقها بالجامعة، وتشعر بأنها بدأت تنظر إلى الفن بعين أكاديمية، دون أن تفقد العلاقة الأولى التي ربطتها بالرسم؛ علاقة تقوم على الشغف أكثر من أي شيء آخر.

ورغم معاناتها من ضغط مزمن في العين، لا تحب أسيل أن تُختزل تجربتها في الجانب الصحي، فهي تفضل الحديث عن اللوحات، والألوان، وما تحمله من أفكار، وبالنسبة إليها، الفن ليس وسيلة لتحدي الإعاقة بقدر ما هو طريقة لفهم الحياة والتواصل مع الآخرين.

في أروقة المعرض، لا يكتفي الزوار بمشاهدة الأعمال، بل يبحث كثيرون عن أصحابها.. يستمعون إلى قصصهم، ويسألونهم عن تفاصيل اللوحات، قبل أن يغادروا بانطباع مختلف عن معنى الإبداع، وعن قدرة الإنسان على تجاوز الحدود التي قد يفرضها الجسد.

ولا تقتصر مبادرة “عبق اللون” على تعليم تقنيات الرسم، بل تفتح أمام المشاركين مساحة للتعبير عن أنفسهم، وتمنحهم فرصة للوجود في المشهد الثقافي والفني، بوصفهم فنانين قبل أي وصف آخر.

في تجربة أسيل رمان، يبدو الفن أكثر من لوحة تُعلّق على جدار، إنه رحلة بدأت بطفلة آمن أحدهم بموهبتها، واستمرت بشابة اختارت أن تدرس الفن وتصنع مستقبلها من خلاله.

وبين البداية وما وصلت إليه اليوم، لم يكن التحدي هو ما يحدد ملامح الحكاية، بل الإصرار على أن تكون جزءًا من المشهد الفني، وأن تترك أثرها فيه.

قد لا ترى أسيل العالم بالطريقة التي يراه بها الآخرون، لكنها تنجح، في كل لوحة تنجزها، في أن تجعل الآخرين يرونه من زاوية مختلفة؛ زاوية تقول إن الفن لا يقاس بقدرة العين على الإبصار، بل بقدرة الإنسان على الإحساس، وتحويل ذلك الإحساس إلى عمل يلامس الناس.

زر الذهاب إلى الأعلى