“تُباع بالخيانة وتُشترى بالدم”.. آخر رسالة من مها أبو خليل قبل استشهادها بقصف إسرائيلي في صور

قبل دقائق معدودة من إعلان وقف إطلاق النار بين إسرائيل و”حزب الله”، سقطت المناضلة اللبنانية الدكتورة مها أبو خليل (80 عاماً) شهيدة تحت أنقاض منزلها في مدينة صور جنوبي لبنان، إثر غارة إسرائيلية استهدفت أربعة مبانٍ سكنية سوّتها بالأرض، مساء الجمعة 17 نيسان/أبريل.

وبرحيلها، تفقد الساحة اللبنانية والفلسطينية واحدة من أبرز وجوه العمل النضالي والتربوي، التي كرست حياتها للدفاع عن الأرض والإنسان، وآثرت البقاء في الجنوب رغم الحروب المتتالية.

وصية الدم

وبعد يومين من القصف، أُنتشل جثمانها من تحت الأنقاض، ليتحقق ما كتبته قبل ساعات من رحيلها: **”كل الأشياء تباع وتشترى بنفس العملة، إلا الوطن، يباع بالخيانة، ويشترى بالدم”** – مقولة المقتبسة من الثوري الأرجنتيني تشي غيفارا، والتي كانت آخر ما دوّنته بقلمها.

ابن عمها، حسن أبو خليل، نعاها عبر “فيسبوك” قائلاً: “قبل ساعات من رحيلها، أرسلت كلماتها التي تختصر حياتها وموقفها”.

 من أثينا إلى صور: مسيرة نضال متواصلة

لم تكن مها أبو خليل، ابنة بلدة القليلة في قضاء صور، وجهاً أكاديمياً فقط. فقد حملت شهادة الدكتوراه في الإعلام، ودرّست في جامعات براغ خلال سبعينيات القرن الماضي، وعاشت إلى جانب زوجها الدبلوماسي العراقي. لكن السمة الأبرز في حياتها كانت النضال الثوري المبكر.

ففي كانون الأول/ديسمبر 1969، خططت مع رفيقَيها سامي فوزي عبود وعصام سليم دومط لاختطاف طائرة تابعة لشركة “العال” الإسرائيلية في مطار أثينا الدولي، سعياً لإبرام صفقة تبادل أسرى مع تل أبيب لتحرير فلسطينيين وعرب من سجونها.

المحاولة باءت بالفشل، وأُلقي القبض على الثلاثة أثناء صعودهم الطائرة المتجهة إلى روما وعلى متنها 29 راكباً. ووُجهت إليهم تهم حيازة متفجرات بشكل غير قانوني. وخلال محاكمتهم في اليونان، ظهرت أبو خليل بأنيقة وهي ترفع شارة النصر، قبل أن يُفرج عنهم عام 1970 ضمن صفقة تبادل أسرى.

من السلاح إلى التربية

لم يقتصر عطاؤها على العمل المسلح والسياسي، بل امتد لعقود من الخدمة الإنسانية والتربوية. وفقاً للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، “عملت لسنوات طويلة في مؤسسات اجتماعية، وكان لها دور أساسي في العلاقات العامة والعمل الاجتماعي والتربوي”.

واللافت أن أبو خليل رفضت مغادرة أرضها رغم القصف والعدوان المتكررين، وصمدت في مدينة صور طوال الحروب الإسرائيلية، لتشكل نموذجاً للمرأة المناضلة التي جمعت بين الفكر، الالتزام الوطني، والعمل الإنساني.

نعي وإشادة

وبينما لا تزال صور تلملم جراح القصف الأخير، توالت النعوات على وسائل التواصل الاجتماعي. الناشط اللبناني الدكتور محمد نقري كتب عبر “فيسبوك”: “كنت أنتظر رسالتها الصباحية كل يوم، وكانت قد أرسلت لي صباح الخميس الماضي مقولة تشي غيفارا: كل الأشياء تباع وتشترى بنفس العملة إلا الوطن، قد يباع بالخيانة ولا يشترى إلا بالدم”.

بهذه الكلمات ارتقت مها أبو خليل، تاركة وراءها سيرة نضالية تمزج بين الأكاديميا والعمل الميداني، وبين المقاومة المسلحة والتربية الإنسانية، مؤكدة أن ثمن الوطن لا يُدفع إلا بأغلى العملات: الدم.

زر الذهاب إلى الأعلى