القعقاع سقط في البركان… لكن من أسقطه أولاً؟

حين انتشر خبر سقوط الشاب اليمني الملقب بـ”القعقاع” في فوهة البركان، تعامل كثيرون مع الحادثة بوصفها نهاية مأساوية لمغامرة خطيرة. لكن الحقيقة أن القصة أعمق من ذلك بكثير. فالقعقاع لم يسقط في تلك اللحظة وحدها، بل كان يسقط بصمت منذ سنوات، مع كل فرصة ضاعت، وكل حلم تأجل، وكل باب رزق أُغلق في وجهه.
كان الناس يرون شاباً يهبط إلى أعماق البركان، بينما لم يروا الهاوية الأكبر التي كان يعيشها كل يوم فوق سطح الأرض.
لم يكن البركان هو الخطر الحقيقي في حياته، بل الواقع الذي دفعه إلى أن يجعل من الخطر عملاً ومن الموت احتمالاً يومياً ومن المغامرة وسيلة للبقاء.
في مكان آخر من هذا العالم، كان يمكن لشاب مثله أن يكون طالباً في جامعة، أو موظفاً في شركة، أو صاحب مشروع صغير، أو أباً منشغلاً بتأمين مستقبل أسرته. لكن في اليمن المنهك بالحروب والأزمات والانهيارات المتلاحقة، أصبحت الأحلام البسيطة ترفاً بعيد المنال، وأصبح البقاء نفسه إنجازاً يستحق الاحتفال.
القعقاع لم ينزل إلى البركان بحثاً عن المجد، ولم يكن بطلاً أسطورياً يبحث عن المغامرة من أجل المغامرة. كان يبحث عن شيء أكثر بساطة وأكثر قسوة في الوقت نفسه: لقمة العيش.
يا لها من مأساة أن يصل الإنسان إلى مرحلة يصبح فيها الموت جزءاً من وظيفته اليومية.
ويا لها من فاجعة أن يتحول الخوف الذي يهرب منه الناس إلى مصدر رزق لمن لم يجد مصدراً آخر.
لقد وقف القعقاع على حافة البركان مرات كثيرة، لكن أحداً لم يسأل نفسه: ما الذي يدفع شاباً في عمر الزهور إلى النزول طوعاً إلى مكان يهرب منه الجميع؟ لماذا لم يعد يخاف كما نخاف؟ لماذا بدا الموت بالنسبة إليه احتمالاً عادياً؟
لأن الإنسان حين يحاصره العجز من كل الجهات، تتغير علاقته بالخوف.
الفقر الطويل يغيّر الإنسان.
الخذلان الطويل يغيّر الإنسان.
الانتظار الطويل يغيّر الإنسان.
وحين يشعر المرء أن الحياة نفسها أصبحت جداراً مغلقاً، فإنه يبدأ بالنظر إلى المخاطر بعين مختلفة، لا لأنها أقل رعباً، بل لأن الخيارات الأخرى أصبحت أكثر قسوة.
الموجع في القصة ليس سقوطه فقط، بل أننا اعتدنا مثل هذه القصص حتى فقدنا دهشتنا. أصبحنا نقرأ عن شاب مات في البحر، وآخر في منجم، وثالث تحت الأنقاض، ورابع على طريق متهالك، ثم نمضي في يومنا وكأن شيئاً لم يكن.
كأن الموت أصبح خبراً عادياً في وطن اعتاد الألم حتى فقد القدرة على البكاء.
ثم يأتي البعض بعد ذلك ليحاكم الضحية.
يقولون إنه كان متهوراً.
وربما كان كذلك.
لكن السؤال الذي يجب أن يؤرق ضمائرنا جميعاً هو: من الذي دفعه إلى التهور؟
من الذي جعل المخاطرة خياراً اقتصادياً؟
من الذي جعل النجاة من الموت مهنة؟
من الذي جعل شاباً يهبط إلى قاع بركان ليكسب ما لا يكفي لسد حاجته؟
ليست فوهة البركان وحدها من ابتلعته.
لقد ابتلعته سنوات طويلة من الإهمال.
ابتلعته البطالة.
ابتلعه الفقر.
ابتلعته الأحلام المؤجلة.
ابتلعه وطن يملك من الجمال ما يكفي ليكون جنة، لكنه يملك من الجراح ما يكفي ليطرد أبناءه إلى حواف الموت.
رحم الله القعقاع.
لكن لا تجعلوا من قصته حكاية رجل سقط في بركان.
اجعلوها سؤالاً كبيراً في وجه الجميع:
كم قعقاعاً آخر ينتظر السقوط؟
وكم شاباً ما زال يقف اليوم على حافة هاوية ما، لا لأنه يحب الموت، بل لأنه لم يجد طريقاً آخر إلى الحياة؟





