الأُرْدُنُّ… وَطَنٌ أَقْوَى مِنَ السِّهَامِ

حِينَ يَكُونُ الوَطَنُ عَهْدًا فِي القُلُوبِ، لَا تَسْتَطِيعُ رِيَاحُ التَّشْوِيشِ أَنْ تَقْلَعَ جُذُورَهُ.

الأُرْدُنُّ… وَطَنٌ أَقْوَى مِنَ السِّهَامِ

بِقَلَم: زَيْد أَبُوزَيْد

لَيْسَ الأُرْدُنُّ مُجَرَّدَ جُغْرَافِيَا نَسْكُنُهَا، وَلَا حُدُودًا نَعْبُرُهَا، وَلَا عَلَمًا يَرْفُرُ فَوْقَ سَارِيَةٍ؛ إِنَّهُ ذَاكِرَةُ أَجْيَالٍ، وَتَعَبُ آبَاءٍ، وَأَحْلَامُ أَبْنَاءٍ، وَحِكَايَةُ وَطَنٍ كَبُرَ فِي عَيْنِ التَّارِيخِ بِقَدْرِ مَا صَغُرَتْ مَسَاحَتُهُ عَلَى خَرِيطَةِ العَالَمِ.

وَفِي الأُرْدُنِّ، لَا يَنْفَصِلُ الوَطَنُ عَنْ قِيَادَتِهِ، وَلَا القِيَادَةُ عَنْ شَعْبِهَا، وَلَا الشَّعْبُ عَنْ مُؤَسَّسَاتِ دَوْلَتِهِ؛ فَهِيَ دَائِرَةٌ وَاحِدَةٌ، إِذَا تَمَاسَكَتْ أَضْلَاعُهَا، بَقِيَ الوَطَنُ وَاقِفًا فِي وَجْهِ العَاصِفَةِ، وَإِذَا تَعَاوَنَتْ، أَصْبَحَتِ الأَزْمَاتُ مَهْمَا ثَقُلَتْ، أَصْغَرَ مِنْ إِرَادَةِ الأُمَّةِ.

هُنَا أُرْدُنٌّ يَمْشِي إِلَى المُسْتَقْبَلِ وَهُوَ يَحْمِلُ فِي يَدٍ ذَاكِرَةَ المَاضِي، وَفِي اليَدِ الأُخْرَى مَشْرُوعَ الغَدِ؛ وَفِي قَلْبِ هَذَا المَشْهَدِ قِيَادَةٌ هَاشِمِيَّةٌ، يَتَقَدَّمُهَا جَلَالَةُ المَلِكِ عَبْدِ اللهِ الثَّانِي، تَتَابَعُ قَضَايَا الوَطَنِ، وَتَحْمِلُ هُمُومَهُ إِلَى مَحَافِلِ الإِقْلِيمِ وَالعَالَمِ، وَتَضَعُ أَمْنَ الأُرْدُنِّ وَاسْتِقْرَارَهُ وَمَصْلَحَةَ شَعْبِهِ فِي مُقَدِّمَةِ أَوْلَوِيَّاتِهَا.

وَلَيْسَ الحَدِيثُ عَنْ القِيَادَةِ هُنَا حَدِيثًا عَنْ شِعَارٍ؛ فَالمَشْهَدُ الأُرْدُنِيُّ يَشْهَدُ اسْتِمْرَارَ العَمَلِ عَلَى تَحْسِينِ البِيئَةِ الاسْتِثْمَارِيَّةِ، وَتَبْسِيطِ الإِجْرَاءَاتِ، وَتَطْوِيرِ الشَّرَاكَةِ بَيْنَ القِطَاعَيْنِ العَامِّ وَالخَاصِّ. وَفِي النِّصْفِ الأَوَّلِ مِنْ عَامِ 2026، أَفَادَتْ وِزَارَةُ الاسْتِثْمَارِ بِارْتِفَاعِ حَجْمِ اسْتِثْمَارَاتِ المَنَاطِقِ التَّنْمَوِيَّةِ وَزِيَادَةِ عَدَدِ المَشَارِيعِ وَالفُرَصِ الاسْتِثْمَارِيَّةِ المَعْرُوضَةِ.

وَهَذَا كُلُّهُ لَا يَصْنَعُهُ شَخْصٌ وَاحِدٌ، بَلْ تَصْنَعُهُ دَوْلَةٌ بِمُؤَسَّسَاتِهَا: حُكُومَةٌ تَضَعُ السِّيَاسَاتِ وَتُنَفِّذُهَا، وَقُوَّاتٌ مُسَلَّحَةٌ وَأَجْهِزَةٌ أَمْنِيَّةٌ تَحْمِي الأَمْنَ وَالاسْتِقْرَارَ، وَمُؤَسَّسَاتٌ تَعْمَلُ فِي التَّعْلِيمِ وَالصِّحَّةِ وَالبِنْيَةِ التَّحْتِيَّةِ وَالخِدْمَاتِ، وَشَعْبٌ يَحْمِلُ مَعَ الدَّوْلَةِ أَعْبَاءَ المَرْحَلَةِ وَيَصُونُ مَا تَحَقَّقَ وَيَتَطَلَّعُ إِلَى مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ بَعْدُ.

وَلِهَذَا، فَإِنَّ أَكْبَرَ مَا يَحْمِي الأُرْدُنَّ لَيْسَ جِدَارًا مِنْ حَجَرٍ، بَلْ جِدَارٌ مِنَ الثِّقَةِ بَيْنَ الشَّعْبِ وَالدَّوْلَةِ، وَمِنَ الوَعْيِ بِأَنَّ الأَوْطَانَ لَا تُبْنَى بِالصُّرَاخِ، وَلَا تُحْمَى بِالإِشَاعَةِ، وَلَا تَتَقَدَّمُ بِالتَّشْكِيكِ الدَّائِمِ، بَلْ بِالنَّقْدِ المَسْؤُولِ، وَالعَمَلِ، وَالمُحَاسَبَةِ، وَالإِنْجَازِ، وَالاحْتِكَامِ إِلَى الحَقِيقَةِ.

وَهُنَا تَبْرُزُ ظَاهِرَةٌ لَا يَنْبَغِي لِلْمُجْتَمَعِ أَنْ يَغْفُلَ عَنْهَا: اسْتِخْدَامُ بَعْضِ وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الاجْتِمَاعِيِّ فِي بَثِّ مَنْشُورَاتٍ أَوْ مَقَاطِعَ أَوْ تَسْجِيلَاتٍ مُجَهَّلَةِ المَصْدَرِ، تَسْتَهْدِفُ أَحْيَانًا أَشْخَاصًا أَوْ مُؤَسَّسَاتٍ أَوْ أَجْهِزَةً رَسْمِيَّةً، وَتَحَاوِلُ صِنَاعَةَ شَكٍّ أَكْبَرَ مِنْ حَجْمِهَا.

وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ يَنْتَقِدُ دَوْلَةً طَابُورًا خَامِسًا، وَلَا كُلُّ مَنْ يَكْشِفُ خَلَلًا عَدُوًّا؛ فَالنَّقْدُ المَسْؤُولُ حَقٌّ، وَالنُّصْحُ الصَّادِقُ قُوَّةٌ، وَالكَلِمَةُ الحُرَّةُ الَّتِي تَسْتَنِدُ إِلَى الحَقِيقَةِ لَا تُضْعِفُ الوَطَنَ، بَلْ تَحْمِيهِ. أَمَّا تَزْيِيفُ الحَقَائِقِ، وَفَبْرَكَةُ المَعْلُومَاتِ، وَإِطْلَاقُ الاتِّهَامَاتِ بِلَا بَيِّنَةٍ، فَذَلِكَ شَيْءٌ آخَرُ يَجِبُ أَنْ يُوَاجَهَ بِالوَعْيِ وَالقَانُونِ وَالمَعْلُومَةِ الصَّحِيحَةِ.

وَلَعَلَّ تَعْبِيرَ «الطَّابُورِ الخَامِسِ» يَحْمِلُ دَلَالَةً تَارِيخِيَّةً لَافِتَةً؛ فَقَدْ اشْتَهَرَ المَصْطَلَحُ فِي الحَرْبِ الأَهْلِيَّةِ الإِسْبَانِيَّةِ عَامَ 1936، حِينَ أُشِيرَ بِهِ إِلَى مُتَعَاطِفِينَ مَعَ القُوَّاتِ المُهَاجِمَةِ دَاخِلَ مَدِينَةِ مَدْرِيدَ، ثُمَّ اتَّسَعَ اسْتِعْمَالُهُ لِيَدُلَّ عَلَى قُوَّةٍ تَعْمَلُ مِنَ الدَّاخِلِ لِخِدْمَةِ خَصْمٍ خَارِجِيٍّ.

وَفِي عَصْرِ التِّقْنِيَةِ، لَمْ يَعُدِ الطَّابُورُ الخَامِسُ، بِمَعْنَاهُ المَجَازِيِّ، يَحْتَاجُ إِلَى مَقَرٍّ مَخْفِيٍّ؛ فَقَدْ يَجِدُ مَسَاحَتَهُ فِي حِسَابٍ مَجْهُولٍ، أَوْ مَقْطَعٍ مُقَصَّصٍ، أَوْ صَوْتٍ لَا يُعْرَفُ مَصْدَرُهُ، أَوْ خَبَرٍ يُلْقَى فِي الفَضَاءِ الرَّقْمِيِّ ثُمَّ يُعَادُ تَدَاوُلُهُ حَتَّى يَتَحَوَّلَ مِنْ مُجَرَّدِ ادِّعَاءٍ إِلَى مَا يُشْبِهُ الحَقِيقَةَ.

وَلَكِنَّ الدَّوْلَةَ الَّتِي تَمْتَلِكُ مُؤَسَّسَاتٍ رَاسِخَةً، وَمُجْتَمَعًا وَاعِيًا، وَقِيَادَةً تَعْرِفُ مَا تُرِيدُ، لَا تُسْقِطُهَا مَنْشُورَةٌ، وَلَا تُرْبِكُهَا شَائِعَةٌ، وَلَا تَهُزُّهَا أَصْوَاتٌ عَابِرَةٌ؛ فَالأَشْجَارُ الضَّخْمَةُ لَا تَخْشَى حَصَاةً تَقْذِفُهَا رِيحٌ، وَالأَنْهَارُ لَا تَتَوَقَّفُ لِأَنَّ حَصًى صَغِيرًا اعْتَرَضَ مَجْرَاهَا.

وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ مَعْرَكَةَ الأُرْدُنِّ الحَقِيقِيَّةَ لَيْسَتْ مَعَ حِبْرٍ أَسْوَدَ أَوْ صَوْتٍ مُشَوِّشٍ، بَلْ مَعَ كُلِّ مَا يُرِيدُ إِضْعَافَ الثِّقَةِ، وَتَفْكِيكَ الرَّابِطَةِ بَيْنَ المُوَاطِنِ وَدَوْلَتِهِ، وَتَحْوِيلَ الاخْتِلَافِ الطَّبِيعِيِّ إِلَى خَصُومَةٍ، وَالنَّقْدِ إِلَى هَدْمٍ، وَالحُرِّيَّةِ إِلَى فَوْضَى.

إِنَّ الأُرْدُنَّ لَيْسَ مَشْرُوعَ يَوْمٍ، وَلَا دَوْلَةَ لَحْظَةٍ، وَلَا وَطَنًا تَصْنَعُهُ الصُّدَفُ؛ إِنَّهُ تَرَاكُمُ تَارِيخٍ، وَتَضْحِيَاتُ أَجْيَالٍ، وَعَمَلُ مُؤَسَّسَاتٍ، وَإِرَادَةُ قِيَادَةٍ، وَوَعْيُ شَعْبٍ.

وَلِذَلِكَ، فَإِنَّ السِّهَامَ الَّتِي تُطْلَقُ عَلَيْهِ، مَهْمَا كَثُرَتْ، لَنْ تَصِلَ إِلَى قَلْبِهِ مَا دَامَتْ أَرْكَانُهُ مُتَمَاسِكَةً، وَمَا دَامَتِ الثِّقَةُ بَيْنَ قِيَادَتِهِ وَشَعْبِهِ حَيَّةً، وَمَا دَامَتْ مُؤَسَّسَاتُهُ تَعْمَلُ، وَمَا دَامَ الأُرْدُنِّيُّ يَعْرِفُ أَنَّ وَطَنَهُ لَيْسَ مَادَّةً لِلتَّجَاذُبِ، بَلْ أَمَانَةٌ فِي العُنُقِ وَذِمَّةٌ فِي التَّارِيخِ.

وَسَيَبْقَى الأُرْدُنُّ، بِإِذْنِ اللهِ، يَمْضِي إِلَى الأَمَامِ؛ تُسَانِدُهُ قِيَادَةٌ هَاشِمِيَّةٌ، وَيَحْمِيهِ جَيْشٌ عَرَبِيٌّ مُصْطَفَوِيٌّ وَأَجْهِزَةٌ أَمْنِيَّةٌ، وَتَحْمِلُهُ مُؤَسَّسَاتُهُ، وَيَحْرُسُهُ وَعْيُ شَعْبِهِ، وَيَدْفَعُهُ إِلَى الغَدِ إِيمَانٌ عَمِيقٌ بِأَنَّ الأَوْطَانَ الكَبِيرَةَ لَا تُقَاسُ بِمَسَاحَاتِهَا، بَلْ بِقَدْرَتِهَا عَلَى الصُّمُودِ وَالبِنَاءِ وَتَجَاوُزِ العَاصِفَاتِ.

فَالأُرْدُنُّ لَيْسَ وَطَنًا نَسْكُنُهُ فَقَطْ؛ إِنَّهُ وَطَنٌ يَسْكُنُنَا، وَمَا يَسْكُنُ الرُّوحَ لَا تَهْزِمُهُ سَهْمٌ عَابِرٌ، وَلَا تُسْقِطُهُ رِيحٌ عَابِرَةٌ.

زر الذهاب إلى الأعلى