النظام العربي.. جدلية القوة والضعف حين تُعَوّم الكرامة

د. اياد البرغوثي
لماذا يفترض منتقدو النظام العربي أن القوة والوحدة والسيادة مصالح بديهية له، ثم “يحاكمونه” لأنه لم يحققها؟. ماذا لو كانت الفرضية نفسها بحاجة إلى مراجعة؟. ماذا لو كان النظام قد أعاد تعريف مصلحته بحيث أصبحت القوة المستقلة عبئا، والضعف المنضبط مصلحة، والاحتماء بالقوة الكبرى أكثر جدوى من إنتاج القوة الذاتية؟.
لطالما اعتبر اولئك “المنتقدون” من المثقفين والسياسيين، أن النظام يعاني من الضعف والتجزئة والتبعية. وبناء على ذلك بذلوا الكثير من الجهد لتبيان تلك الحالة، وأهمية وإمكانية الخروج منها، فتحدثوا عن القوة ومزايا ومزاياها، وتوفر عناصرها في العالم العربي، ودعوا إلى امتلاكها والإستثمار فيها، واستغرب أكثرهم من عدم استجابة النظام لذلك.
سؤال المنتقدين الأساس (حيث لا يقتصر هؤلاء على المعارضين)، يتعلق بعلاقة النظام العربي بمسألتي القوة والضعف التي تبدو شديدة الغرابة؛ فكيف لنظام سياسي أن لا يرى في امتلاك القوة ضرورة؟ وفي الوحدة مصدرا للقدرة، وفي التحرر من التبعية شرطا للاستقلال؟. وكيف يبدو الضعف بدلا من القوة خيارا قابلا للدفاع عنه؟. وكيف تصبح التبعية، بدل أن تكون وضعا ينبغي التخلص منه، علاقة يمكن الاطمئنان إليها وربما الحرص عليها.
حتى الآن لم يَكِل المنتقدون، معارضة ومؤيدين، التوجه إلى النظام لايضاح حالة الضعف التي يعيشها، وطرق التعافي منها، استنادا على ما يبدو إلى فرضيتين؛ إما أن الأمر “عصي” على الفهم بالنسبة للنظام ولذلك ما زال بحاجة إلى الشرح والتوضيح، أو أنه بلغ من الضعف مرتبة لا يقوى بها على الخروج من تلك “الأزمة”، رغم أنه يعيشها ويعاني منها ويدركها تماما.
واقع الأمر يبدو أكثر تعقيدا مما يظهره الكشف الأولي للحالة الحالية، التي يظهر فيها حرص المنتقدين و”غفلة” النظام أو ضعفه. فمجريات الأمور منذ “السابع من أكتوبر”، وخاصة الجدل “اللبناني” الحالي الذي يشكل الحالة الأكثر وضوحا لتناقض غريب، خاصة في موضوع امتلاك القوة بالتحديد، يأخذنا أبعد من فرضيتي عدم الفهم أو عدم القدرة، إلى إعادة النظر في أسئلة البدايات والمنطلقات، ويحثنا على فحص البديهيات والمسلمات والفرضيات.
لماذا يتم عادة عند البحث في وضع النظام العربي، استثناء أن المشكلة قد تكون في الفرضية التي ينطلق منها النظام لفهم مصلحته؟. لماذا يتم الافتراض أصلا أن النظام يريد القوة والوحدة والسيادة، وينتظر الفرصة التي يتخلص فيها من حالة الضعف هذه؟.
فالانطلاق من أن النظام العربي ضعيف، وبناء عليه تتم دعوته لامتلاك القوة وحثه على السيادة والاستقلال، يجعل النقد مفهوما والدعوة “معقولة”.أما إذا كان الضعف نفسه جزءا من اختياره السياسي، فإن وصفه بالضعف لا يفسر شيئا، ودعوته إلى امتلاك القوة ليست ذات معنى.
الفرضيات التي يقوم عليها نقد النظام، أن القوة مصلحة بديهية، والوحدة مصلحة بديهية، وكذلك الاستقلال والسيادة والأمن القومي. لكن ماذا لو لم تكن هذه بديهيات النظام أصلا ؟. ماذا إذا كانت مظاهر مثل التفكك العربي، والتنافس العربي البيني، والارتهان للخارج، والتخلي عن بناء القوة الذاتية، ليست بالضرورة أعراضا لخلل في النظام، بل يمكن قراءتها باعتبارها نتائج منطقية لنظام مصالح مختلف؟. ربما كان “الخطأ” الأكبر في نقد النظام العربي، أن الذين قاموا بذلك افترضوا، من دون أن يثبتوا ذلك، أنه يريد ما يريدون، القوة والوحدة والاستقلال والسيادة.
الفرق بين النظام ومنتقديه يبدأ من المنطلقات البديهية والمنطق المختلف، فالقوة التي ينادي بها المنتقدون ليست بالنسبة للنظام قيمة مرغوبة بالضرورة، والوحدة ليست دائما فضيلة، والاستقلال قد يتحول إلى عبء، والنصر كابوس، والتبعية تُقدّم بوصفها نوعا من الحكمة السياسية. بل إن الأمر يذهب في بعض الحالات إلى مفارقة أكثر حدة؛ فيبدو الضعف وكأنه أكثر أمانا من القوة، والتبعية أجدى من التحرر، والقوة الخارجية المساندة أفضل من القوة الذاتية، بل قد يصبح العدو الخارجي في حسابات معينة، أكثر فائدة من الصديق الداخلي.
المنتقد يرى البداهة في ضرورة امتلاك القوة، بينما يراها النظام عكس ذلك. هذا ليس فشلا في فهم البداهة بل يشير إلى بداهة أخرى تحكم النظام. الخلاف ليس بين من يعرف ومن لا يعرف، وإنما بين بداهتين متعاكستين. هذا يضع منتقدي النظام في وضع قد يحتاجون فيه إلى إعادة النظر في فرضياتهم، قبل اتهام النظام بأنه لا يعرف مصلحته؛ فما يبدو لهم خلل في العقل، قد يكون اختلافا في تعريف المصلحة. في هذه الحالة لا يكون السؤال لماذا يفشل النظام العربي في تحقيق القوة؟، فماذا لو كان هذا النظام لا يفشل في تحقيق القوة بل “ينجح” في تجنبها؟.
هذه المقدمة “الفلسفية” حول موقف النظام العربي من القوة والضعف، لا تسعى لتثبيت موقف منه، بقدر ما تعتبر ضرورة منهاجية لفهمه. وهي كذلك ليست موجهة للنظام لكي يقوم بإعادة النظر في مواقفه، إنما للباحثين في هذا المجال، وكذلك للقوى السياسية والاجتماعية التي تحكم على النظام، وتحدد مواقفها منه بناء على منطلقاتها هي، ومعاييرها هي، أن تأخذ منطلقات النظام ومعاييره بعين الاعتبار.
بناء على ذلك، لا بد من نقاش مواقف النظام “الملتبسة” تجاه ما يبدو للآخرين، خاصة المعارضة، بديهيا. من الضروري التأكيد هنا على أن النقاش يجري استنادا إلى ما تمثله “الفلسطينزم” من أساس فكري لرؤية مختلفة.
فالنظام العربي لا يتعامل مع الضعف كنقيصة، فهو لا يتوقف كثيرا عند ضعفه، بل يقفز عنه إلى إدارة الضعف والإستثمار فيه.
فالقول المألوف أن تفسير “عجز” النظام يعود إلى ما “يعانيه” من تجزئة وتبعية وغياب الديمقراطية، يمكن الذهاب، من منظور الفلسطينزم، إلى ما هو أبعد منه، فالنظام العربي لا يعاني من الضعف، بل إن جزءا من بنيته السياسية تقوم على إنتاج الضعف والمحافظة عليه.
هذا يعني أن القوة الذاتية الاقتصادية والعسكرية والعلمية والسياسية والثقافية التي يدعو المنتقدون النظام لامتلاكها، لا يُنظر لها دائما بوصفها ضرورة للسيادة، بل قد تتحول إلى مصدر تهديد لاستقرار النظام نفسه، ولذلك يجري تعطيل عناصر القوة الذاتية أو إخفائها، ويتم الذهاب إلى الاعتماد على الخارج بوصفه “واقعية” سياسية وضرورة لا بد منها.
هنا تكمن المفارقة الكبرى، فما يبدو للمنتقدين نقطة ضعف، يُقدم للشعب بوصفه نقطة قوة. ويصبح الاعتماد على القوى الإمبريالية علاقة “استراتيجية”، والتخلي عن القرار المستقل “حكمة”، وعدم السعي لإقامة قوة إقليمية حقيقية ضرورة لتجنب “المغامرة”.
كما يعتبر النظام (لبنان نموذجا) تدمير القوة الذاتية شرطا للاستمرار، فهو يخشى قوته الذاتية أكثر مما يخشي قوة “خصمه”. هنا لا يعود النظام ضعيفا بالمعنى التقليدي، بل نظاما يمارس الضعف. فالأمر لا يتعلق بأن النظام العربي غير قادر على بناء القوة، إنما هو غير معني بها، إنْ لم يكن معني بغيابها، لأنه يعتبر أنها تتعارض مع آليات بقائه. بذلك يمكن القول أن التجزئة والفُرقة التي “يُتّهم” بها النظام العربي هي ليست مجرد نتيجة تاريخية بقدر ما هي كذلك آلية لإنتاج العجز.
هنا نذهب لموضوع السيادة؛ فإذا كان النظام العربي قد فقد سيادته الخارجية، أي قدرته على إنتاج قراره في المجالين الإقليمي والدولي، فإن ذلك النظام قد نجح في ملء الفراغ الذي أنتجه فقدان السيادة بعلاقات “خاصة” مع القوى الكبرى. العلاقات الخاصة هنا ليست بالضرورة “تبعية” بالمفهوم التقليدي، بل باتخاذ موقع “نائب” الفاعل الذي “تعاونت” اللغة العربية مع النظام العربي ل”تمويه” وضعه.
لست ضليعا في اللغة العربية، لكني أعتقد أن موضوع نائب الفاعل، الذي تتفرد به اللغة العربية نحويا، والذي لم أشعر تجاهه بأي ارتياح منذ سمعت به في الصفوف الإعدادية، يعاني من مشكلة حقيقية؛ فهو ليس مجرد أمر بُني للمجهول عندما غاب الفاعل، لكن من دون أي سبب أو مبرر، نُقل المفعول به في المعنى ليصبح نائب فاعل في النحو. فعندما نقول “ضُرب الولد” على سبيل المثال، لا أدري بأي حق وبأي منطق يصبح الولد نائبا للفاعل في الوقت الذي “شبع” فيه ضربا واستحق موقع المفعول به أو فيه أو أي مفعول كان بكل جدارة؟!، فغياب الفاعل لا يبرر جعل المفعول به فاعلا أو نائبا له. على أية حال، اللغة ليست موضوعنا لكن انعكاس ذلك في السياسة مسألة ملفتة.
فاللغة “ساعدت” النظام العربي لكي يظهر كفاعل (في اللغة) في حين لم يكن كذلك في الواقع السياسي. لم تُظهر اللغة فقدان النظام لفاعليته السياسية بل موهت موقعه، وحافظت له على وهم السيادة، فاستبدلت “نحن” في الفعل ب”نحن” في الخطاب.
سمحت اللغة بإجراء تحولات جذرية في موقع الفاعل؛ فالنظام العربي يقدم نفسه كحامٍ للأمن الإقليمي، ومواجه “للإرهاب”، ومحارب ” للتطرف”، ورافض لزعزعة الاستقرار، ومواجه للأعداء وداع إلى حل سياسي. ويقدم ذلك بقوله “نحن” نواجه ونريد وندعو، ولا يقول “قررت” القوى الكبرى أن تفعل كذا.
في هذا الشكل من الخطاب، تجري عملية تمويه لمن يحدد معنى الاستقرار، ومن يحدد معنى الإرهاب؟، ومن هو العدو؟، ومن يقرر سقف الحل السياسي. في هذه الحالة، القوة الكبرى هي الفاعل الحقيقي المستتر، والنظام العربي هو نائب الفاعل الظاهر، وللقاريء أن يقرر من هو المفعول به الحقيقي.
الخلاصة من كل ما سبق، هو ضرورة أن يُحدث المهتمون بمستقبل المنطقة وشعوبها، والعرب بالتحديد، تغييرا في السؤال “القومي” التقليدي الذي يقول “كيف يستعيد العرب قوتهم”، ليصبح كيف يستعيدون القدرة على أن يكونوا فاعلا أصيلا، لا نائب فاعل عن الآخرين، ولا مفعولا به كما هو واقع الحال.





