الجراح يفتح ملف الجمعيات في الزرقاء: “لن يبقى إلا القوي”
العمل الخيري في الزرقاء أمام التحول.. تصنيف الجمعيات وتنويع مصادر الدخل

الزرقاء – كرم الإخبارية – وسام نصر الله
لا تبدو مهمة النهوض بالعمل الخيري في محافظة الزرقاء مجرد محاولة لتحسين أداء الجمعيات أو زيادة قدرتها على تقديم المساعدات، بل تتجه وفق رؤية جديدة يطرحها اتحاد الجمعيات الخيرية في المحافظة، إلى إعادة تعريف دور هذه الجمعيات من الأساس؛ من مؤسسات تنتظر التبرعات وتوزع المساعدات، إلى جهات قادرة على الإنتاج وإطلاق المبادرات والاستثمار وخلق موارد مالية مستدامة.
هذه الرؤية، التي عرضها رئيس اتحاد الجمعيات الخيرية في الزرقاء عمر الجراح، خلال لقاء مع وفد من نقابة الصحفيين – فرع الزرقاء، بحضور أعضاء من مجلس إدارة الاتحاد، تقوم على تغيير الصورة النمطية للعمل الخيري، واستعادة ثقة المتبرعين، وإعادة ترتيب خريطة الجمعيات وفق قوتها ونشاطها وحجم حضورها والخدمات التي تقدمها للفئات الأقل حظا.
ويقول الجراح إن المرحلة المقبلة يجب أن تشهد انتقالا حقيقيا في فلسفة العمل الخيري، بحيث لا يبقى قائما على “الاستجداء”، وإنما يتجه نحو الإنتاج وخلق المبادرات والاستثمار، بما يمنح الجمعيات مصادر دخل أكثر استدامة ويقلل اعتمادها على التبرعات وحدها.
480 جمعية في الزرقاء.. تنوع في الاختصاصات وتعدد في المرجعيات
ويأتي هذا التوجه في ظل واقع تتسم فيه الخارطة الجمعياتية في محافظة الزرقاء بالتعدد والتنوع والتشتت؛ إذ تضم المحافظة نحو 480 جمعية بمختلف التخصصات، منها 359 جمعية تابعة لوزارة التنمية الاجتماعية، فيما يضم اتحاد الجمعيات الخيرية في الزرقاء، الذي تأسس عام 1977 ضمن منظومة الاتحاد العام للجمعيات الخيرية في المملكة، 244 جمعية تابعة للاتحاد، من بينها 168 جمعية مسددة لاشتراكاتها.
ويرى الجراح أن هذا العدد يستدعي مراجعة حقيقية، ليس بهدف إلغاء العمل الخيري، وإنما لضمان أن تكون المؤسسات القائمة قادرة فعلا على أداء أدوارها.
تصنيف الجمعيات الخيرية
ومن هنا يطرح الاتحاد توجها يقوم على “تصنيف الجمعيات الخيرية” وفق معايير محددة، تشمل قوتها، ونشاطها، وحضورها في المجتمع، والخدمات التي تقدمها، وقدرتها على الوصول إلى الفئات المستهدفة.
ويقول الجراح إن المرحلة المقبلة لن تقوم على التعامل مع جميع الجمعيات بالطريقة ذاتها، بل ستكون لكل جمعية طبيعة خاصة وفق نشاطها وأهدافها، فيما يتجه الاتحاد إلى دمج الجمعيات التي تتشابه أهدافها، وصولا إلى قطاع خيري أكثر تنظيما وقدرة على التأثير.
أزمة ثقة.. والرقابة في قلب المشهد
لكن إعادة تنظيم القطاع لا تنفصل عن مشكلة أكثر حساسية تتمثل في تراجع ثقة المتبرعين بالجمعيات الخيرية.
ويعزو الجراح ذلك إلى أسباب متعددة، من بينها ضعف الخبرة والدراية بالعمل الاجتماعي لدى بعض القائمين على الجمعيات، إلى جانب وجود جمعيات تنفذ أنشطة بعيدة عن الأهداف التي تأسست من أجلها.
ولهذا، يشدد الاتحاد على ضرورة وجود رقابة صارمة وفاعلة على العمل الجمعياتي، باعتبار أن استعادة ثقة المتبرع تبدأ من وضوح مصادر الأموال ووجهات إنفاقها، ومن وجود مؤسسات قادرة على إثبات أثرها على أرض الواقع.
وفي هذا السياق، يشير الجراح إلى أن الاتحاد ألزم الجمعيات بفتح حسابات بنكية، بهدف ضبط الحركة المالية والحد من التجاوزات، بعد أن كانت هناك محاولات لصرف شيكات دون إيداعها في حسابات الجمعيات.
إلا أن ضبط القطاع يواجه بدوره تحديات، من بينها تشدد البنوك في إجراءات فتح الحسابات للجمعيات، في ظل مخاوف مرتبطة بغسل الأموال والالتزام بالاشتراطات المصرفية.
“السجل العام”.. محاولة لمنع ازدواجية الاستفادة
وفي ظل غياب شبكة معلومات وطنية متكاملة للعمل الاجتماعي، يبرز توجه وزارة التنمية الاجتماعية نحو إنشاء “السجل العام” كأحد الحلول المطروحة لتنظيم عملية الاستفادة من خدمات الجمعيات.
والفكرة تقوم على تسجيل المستفيدين من المساعدات والخدمات، بما يسمح بمعرفة الجهات التي يتلقون منها الدعم، ويحد من ظاهرة حصول الشخص نفسه على المساعدة من أكثر من جمعية في الوقت ذاته.
ويرى الجراح أن وجود قاعدة بيانات موحدة يمكن أن يحقق قدرا أكبر من العدالة في توزيع المساعدات، ويمنع ازدواجية الاستفادة التي قد تحرم أسرا وفئات معدمة من الوصول إلى الدعم الذي تحتاجه فعلا.
لكن نجاح هذه الخطوة، وفق الرؤية المطروحة، لا يرتبط بالتسجيل وحده، بل بقدرة المؤسسات والجمعيات على تبادل المعلومات والعمل ضمن منظومة اجتماعية واحدة بدل استمرار العمل الفردي والمنفصل.
نهاية العمل الخيري الفردي؟
يضع الاتحاد ظاهرة “الفردية والعمل المنفرد” بين أبرز التحديات التي تواجه الجمعيات في الزرقاء، إذ تميل بعض المؤسسات إلى العمل ضمن نطاق ضيق، دون تنسيق كافٍ مع غيرها من الجمعيات أو الجهات المعنية.
ولهذا، فإن إعادة بناء القطاع، كما يطرحها الجراح، لا تعني فقط تصنيف الجمعيات ودمج المتشابه منها، وإنما تفعيل التواصل بينها، وتحديد الأدوار، وتوجيه كل جمعية نحو المجال الذي تستطيع أن تحقق فيه أثرا حقيقيا.
ويؤكد أن الاتحاد لن يتعامل مع الجمعيات جميعها بالطريقة ذاتها، وإنما سيعمل على بناء علاقة أكثر ارتباطًا بطبيعة نشاط كل جمعية وقدرتها على تقديم الخدمة.
من التبرع إلى الاستثمار
ولا تتوقف الرؤية الجديدة عند إعادة تنظيم الجمعيات، بل تمتد إلى الجانب المالي، إذ يقول الجراح إن الاتحاد عمل خلال عام 2025 على ترشيد النفقات، بالتوازي مع البحث عن مصادر دخل واستثمارات قادرة على تحقيق عوائد مالية مستدامة.
ويشير في هذا الإطار إلى القروض، واتفاقية مع صندوق التشغيل، إلى جانب استثمار أحد طوابق مبنى الاتحاد من خلال تأجيره، في محاولة لبناء موارد لا تعتمد بصورة كاملة على التبرعات.
وهنا تتضح ملامح التحول الذي يسعى إليه الاتحاد: “الجمعية التي تنفق فقط ستبقى بحاجة دائمة إلى من يمولها، أما الجمعية القادرة على إنتاج مورد مالي، وإطلاق مشروع أو مبادرة، فتمتلك فرصة أكبر للاستمرار وخدمة المستفيدين.”
“لن يبقى إلا القوي”
ولا يخفي الجراح أن المرحلة المقبلة ستشهد فرزا داخل القطاع الخيري، مؤكدا أن “لن يبقى في القطاع الخيري إلا الجمعيات القوية”، وفق أسس ومعايير تحدد مستوى كل جمعية، ومدى نشاطها وحضورها وقدرتها على تقديم الخدمة.
لكن هذا الفرز، وفق التصور المطروح، لا يستهدف تقليص عدد الجمعيات لمجرد التقليل، بقدر ما يستهدف بناء قطاع أكثر كفاءة، تكون فيه المؤسسات المتشابهة قادرة على الاندماج، والجمعيات القوية قادرة على التوسع، فيما تعاد صياغة أدوار الجمعيات التي تحتاج إلى تطوير.
وبذلك، يريد اتحاد الجمعيات الخيرية في الزرقاء أن ينتقل بالقطاع من سؤال “كم جمعية لدينا؟” إلى سؤال أكثر أهمية: “ماذا تقدم هذه الجمعيات، ولمن، وبأي كفاءة، وما الأثر الذي تتركه؟”
وإذا نجحت هذه الرؤية، فإن الصورة التي يسعى الاتحاد إلى استعادتها لن تكون مجرد صورة أكثر قبولا للجمعيات الخيرية أمام المتبرعين، وإنما صورة جديدة للعمل الخيري نفسه؛ عمل أكثر شفافية، وأقل اعتمادا على الاستجداء، وأكثر قدرة على الإنتاج والاستثمار والوصول إلى الفئات التي تحتاج الدعم فعلا.
الخضري: أهمية الشراكة بين الإعلام والجمعيات
من جانبه أكد رئيس فرع نقابة الصحفيين في الزرقاء الدكتور ماجد الخضري، اهمية دور الاعلام في دعم وتطوير العمل الخيري الذي تقوم به الجمعيات في المملكة.
وقال، ان الزيارة اتاحت للاعلاميين الاطلاع عن قرب على واقع الجمعيات والتحديات التي تواجهها، والجهود التي يبذلها الاتحاد في تنظيم وتطوير العمل الخيري.
واشار الخضري الى اهمية تعزيز الشراكة بين الاعلام والجمعيات، والعمل على تصحيح الصورة النمطية المرتبطة بالعمل الخيري، بما يسهم في استعادة ثقة المجتمع والمتبرعين بالدور الذي تؤديه الجمعيات في خدمة الفئات المحتاجة.






