الفلسطينيون ومتلازمة “الشرعية”

د. اياد البرغوثي
للنظام السياسي الفلسطيني علاقة استثنائية في أهميتها وحساسيتها بموضوع الشرعية. ابتدأ ذلك قبل قيام السلطة في أوسلو، عندما تعلق الأمر بمنظمة التحرير التي مثل شعارها “الممثل الشرعي والوحيد”، ذروة طموحها وميدانها الأساس. وبذلت وربما استنزفت في سبيل تحقيقه وترسيخه الكثير من الجهد والوقت والدماء، واستمر ذلك مع المنظمة وكذلك مع “السلطة” بعد قيام الأخيرة في أوسلو، إذ ما يزال موضوع “الشرعية” هو (وإن كان ذلك في سياق مختلف بعض الشيء الآن)، الأكثر حضورا في العمل السياسي الفلسطيني ككل.
لا يتسع هذا المقال لنقاش مسألة الشرعية لدى منظمة التحرير على أهمية ذلك، حيث هناك العديد من الأسئلة التي ينبغي الإجابة عنها في هذا المجال، لكن الموضوع بالنسبة للنظام السياسي الفلسطيني بعد أوسلو وإنشاء السلطة، يأتي في سياقٍ مختلف. فتشبث منظمة التحرير قبل أوسلو بموضوع الشرعية الذي تضمن قبولا شعبيا بها كان على ما يبدو متطلباً أساسيا من أجل الحفاظ على وجودها، في حين أن ذلك لا ينطبق على السلطة، التي بحكم ظروف نشأتها والمعاهدات المتعلقة بوجودها وطبيعة مهمتها، أنتجت علاقة مختلفة بينها وبين الشعب، وشكلا آخر بل معنىً آخر من الشرعية، الشعب ليس طرفا أساسيا فيه، هذا إن كان بالإمكان اعتباره طرفا من الأساس.
لذلك فإن رجوع السلطة إلى الشعب سواء من خلال الانتخابات أو غيرها، مختلف تماما عن رجوع المنظمة إليه قبل أوسلو، فلا السلطة الآن تشبه المنظمة في ذلك الوقت، والأهم من ذلك، أن شعب الآن لا يشبه شعب ذلك الوقت.
هذا الوضع الغريب ينتج بالضرورة أسئلة غريبة أيضا؛ هل السلطة بحاجة فعلا للشرعية بمفهومها التقليدي الذي يعني رضا الشعب عنها، أم أن الشرعية أخذت منحى آخر نتيجة للمعاهدات والالتزامات، بحيث أصبحت شرعية السلطة تأتي من خلال قدرتها على تنفيذ مهماتها والتزامها بذلك. هناك اختلاف جذري بين شرعية السياسي وشرعية الإداري، فالأول يحتاج لجماهيره أما الثاني فلا يحتاج أكثر من رضا مرؤوسيه، هنا لا بد من استحضار الشرط الذي تم فرضه على المرشحين بالتوقيع على الالتزام بالمعاهدات الذي ينقلهم سلفا من كونهم ممثلين محتملين للشعب يلتزمون بإرادته وبحقوقه وتطلعاته إلى موظفين يتطلعون لرضا الإدارة عنهم.
السؤال الآخر الذي يجب طرحه، هل الشعب الفلسطيني الآن، وهذا الكلام ينطبق أكثر على الجزء من الشعب الموجود في الضفة الغربية وقطاع غزة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الديمقراطية (التي تنتج الشرعية) هي تعبير المواطنين الأحرار عن إرادتهم الحرة، هل هذا الجزء من الشعب الفلسطيني في وضع يمكنه من إنتاج إرادة حرة يعبر عنها في صناديق الاقتراع؟. في أعتى الديموقراطيات في التاريخ، ديمقراطية أثينا، كان الأحرار وحدهم من يمكنهم الإدلاء بأصواتهم. لم يكن ذلك مسموحا “للعبيد”. صحيح أن ذلك احتقار من قيمة العبيد كبشر، لكنه بالمقابل احترام للديموقراطية إذ لا يمكن للعبد أن ينتج رأيا حرا وشرعية حقيقية.
وعند العودة للشعب الفلسطيني في الضفة وغزة، هل يمكن أن يساورنا الشك للحظة، أن الشروط التي أوجدها الاحتلال الذي اكتسب بجدارة خبرة التاريخ البشري في الظلم والهيمنة والاضطهاد وطبقها على الشعب الفلسطيني، هي أسوأ بكثير من تلك التي فُرضت على العبيد في أثينا وروما؟.
هل هذا الشعب في هذا الوضع كفيل بإنتاج شرعية سَوِية؟. هل الشعب المرتهَن والمهدد والمجوّع والمبتز والمقتول هو مصدر “معقول” لشرعية “معقولة؟. هل نتوقع من شعب مورست عليه الإبادة منذ في غزة أن ينتج إرادة حرة؟، وكذلك من شعب مهدد في حياته وفي وجوده في الضفة؟. وهل ننتظر من عشرات آلاف الموظفين الذين ينتظرون ما قد يكون متاحا من رواتبهم أن يذهبوا إلى صناديق الاقتراع وفي عقلهم “الوطن” ولا شيء غيره؟.
نحن في وضع لا الذي يريد الشرعية يريدها فعلا أو بمحض إرادته، ولا الذي يمنح الشرعية في وضع يؤهله منحها بصورة حقيقية، أو حتى يجعله يعتقد أن هناك فرقا بين الشرعي واللا شرعي في تقرير مصيره. لا أعتقد أن “الجائع” سيذهب للتفكير فيما اذا كان الرغيف الذي حصل عليه هو من مال حلال أم حرام؟.
هذا الوضع الشاذ والظرف الملتبس، يأخذنا أو يفترض أن يأخذنا للتفكير في حقيقة التوجه ل”الشرعية” والانتخابات، ويعطي الكثير من الحق للذين يتحسبون من أن ذلك التوجه ليس له علاقة لا بتقاليد انتخابية طبيعية، ولا برغبة في اللجوء إلى الشعب الذي يشكل الاحتلال فاصلا بينه وبين “سلطته”، وحتى فيما إذا كان ذلك نابعا من الذات أم استجابة لإرادات أخرى.
فأوسلو التي عزلت الشعب عن مصيره، خلقت نظاما مربوطا مصيره حصريا بإسرائيل، وصُممت له “سيادة” تنحصر في وجوده، وهذا يُسقط تلقائيا حاجته إلى أية شرعية أو ديمقراطية بمفهومهما التقليدي حيث يقرر الشعب نظامه.
في هذه الحالة، يصبح أي استبدال للشخوص، سواء من خلال الانتخابات أو غيرها، غير مؤثر في وضع النظام، ولن يبدل في المهمة بل يستبدل من يقوم بتنفيذها، وما شرط توقيع المرشحين على الالتزام بالمعاهدات إلا رسالة لهم ولكل من يهمه الأمر، تؤكد ثبات المهمة وعدم تأثرها بطبيعة القادمين إلا من حيث “الكفاءة” في التنفيذ.
ومما يزيد من طمأنة النظام على استقراره (داخليا)، أن المعارضة (في حال وجودها) هي في معظمها “حميدة”، بمعنى أنها قد تأخذ موقفا معارضا لبعض الشخوص وبعض الممارسات وحتى السياسات، لكنها ليست ضد النظام، بل هي جزء منه، ومنخرطة فيه، تعرف حدودها، وتلتزم بها. وما الرغبة في المشاركة في “معركة” الانتخابات في هكذا ظروف وملابسات ومعطيات إلا دليلا على ذلك.
ليس للشرعية (أو عدمها) في الحالة الفلسطينية الحالية أي معنى يدل على العلاقة بين السلطة والشعب، في ظل وضع تم “تحييد” الشعب فيه (وكلمة تحييد تعني العزل كما تعني الاغتيال بالمفهوم العسكري المتداول). والسلطة في إصرارها الدائم (بانتخابات وغير انتخابات) على تقديم نفسها على أنها الطرف “الشرعي” إنما تسعى لتقديم نفسها كطرف أقدر على إدارة “المرحلة”، وما الانتخابات وغيرها من الإجراءات التي تأتي تحت عنوان “إصلاح” السلطة إلا خطوات من أجل إعادة تأهيلها لتكون عنصرا مقبولا في النظام الإقليمي الجديد.
وحتى يكون موضوع الشرعية والانتخابات أكثر وضوحا لا بد من رؤيته من الزاويتين الفلسطينية والإسرائيلية، خاصة أننا أمام مشهد يطغى عليه ضجيج فلسطيني مثير وصمت إسرائيلي مريب.
فلسطينيا، تبدو السلطة وكأنها تتمسك بشرعية الإجراءات بدل شرعية الفعل، والشرعية الشكلانية، مضافا إليها إجراءات أخرى على شاكلة الاعتراف الدولي والتركيز على رمزية النظام، كثيرا ما تكون محاولة لتعويض غياب السيادة الفعلية. من البديهي أنه كلما تراجعت القدرة على صناعة الواقع، ازداد التمسك بشرعية الشكل الذي يمثل الواقع أو يزيفه.
في الحالة الفلسطينية، يطغى سؤال من هو الشرعي على سؤال ماذا يستطيع هذا الشرعي أن يفعل؟، فيتم استبدال السياسة بالشرعية، وتغيب أسئلةً مثل ماذا نريد؟، وكيف نغير موازين القوى؟، وما هي رؤيتنا لحقوقنا ولقضيتنا وللعالم؟، ونتشبث بشرعية شكلانية لا تبقي من السياسة إلا سؤال من يملك الحق القانوني في أن يتحدث بإسمنا؟.
ما يجري فلسطينيا قد يكون مؤشرا خطيرا يمس جوهر الصراع مع الاحتلال، وينقله من صراع معه على الحق إلى صراع مع أطراف فلسطينية على التمثيل، والعلاقة بين التمثيل والتحرير معضلة فلسطينية تاريخية. هذا ما يجعل الحفاظ على شرعية السلطة هدفا بحد ذاته، بدل أن تكون أداة لتحقيق غاية فلسطينية أوسع.
إن حاجة النظام السياسي الفلسطيني للشرعية من أجل الأحقية في التمثيل، يعني أنها (الشرعية) للاستعمال الخارجي فقط. هذا يؤكده الحديث المتكرر عن أن المجتمع الدولي يريد أن يعرف من هو الطرف الفلسطيني الذي يمكن التعامل معه، مما يعني ضرورة إنتاج قابلية للتعامل مع الأطراف الخارجية، وهو مهم جدا إذ يمكن أن تتحول الشرعية من كونها تعبيرا عن إرادة الشعب، إلى كونها لغة تجعل السلطة قابلة للاعتراف والتعامل مع الخارج.
إسرائيليا، تبدو الانتخابات الفلسطينية على السطح مسألة ليست ذات قيمة، فإسرائيل لم تتحدث ولا كلمة واحدة عن تلك الانتخابات. لكننا إذا اعتقدنا أن ذلك الصمت الإسرائيلي يعني أن الانتخابات الفلسطينية مجرد ممارسة ديموقراطية داخلية فنحن بالتأكيد واهمون.
منذ أوسلو أبدت إسرائيل اهتماما بشرعية “النظام” الفلسطيني، وحرصت على شرعيته الشكلانية حتى لا يتم التشكيك في شرعية ما سيتخذ من قرارات تريدها، ابتداء من الاعتراف بها، إلى نبذ “الإرهاب” وتغيير الميثاق… وغيرها. إسرائيل لا تأكل “مالا” غير شرعي على ما يبدو؟!.
لا داعي لأن تعلن إسرائيل رغبتها في الانتخابات الفلسطينية ومصلحتها من ذلك، فهذه على ما يبدو مهمة الأوروبيين وبعض العرب وهو ما يجعل الأمر أكثر راحة وأقل إحراجا. فالانتخابات وما يرافقها من ضجيج وصخب ومناقشات (مع أو ضد لا يهم) قد تعني، ومطلوب منها أن تعني إسرائيليا، إعادة تعريفٍ للقضية الفلسطينية، فهي ببساطة تنقل مركز اهتمام الفلسطينيين والعالم من سؤال كيف ينتهي الاحتلال الإسرائيلي خاصة بعد ما ارتكبه في السنوات الثلاث الأخيرة إلى سؤال من يحكم الفلسطينيين؟.
الانتخابات التي لها بالعادة علاقة بتجسيد السيادة في الظروف الطبيعية، تنتج في الحالة الفلسطينية “شرعية” تعمل ضمن شروط الاحتلال، فتبقى محدودة الصلاحيات وإسرائيل صاحبة اليد العليا عليها، وتبدو العلاقة وكأنها بين سلطتين شرعيتين وليس علاقة استعمار واحتلال. ضروري هنا القول، أن السلطة حتى وإن سعت لتأسيس دولة طبيعية تخطيء إن تصرفت الآن كدولة طبيعية.
كما أن الانتخابات تنتج سلطة “شرعية” تتحمل مسؤولية ما ينتج عن الاحتلال، فتصبح _ كما هي الآن _ مسؤولة أمام شعبها عن البطالة والفقر والأمن والخدمات والانقسام والفساد، في حين أن جزءا كبيرا من البيئة التي تعمل فيها السلطة تحدده إسرائيل. يبقى الاحتلال في الخلفية والسلطة في الواجهة تتلقى النتائج.
كذلك فإن اللجوء إلى الانتخابات في إطار السلطة القائمة، يمكن أن يعطي انطباعا بأن المشكلة ليست في الإطار السياسي نفسه، وإنما في الأشخاص الذين يديرونه (وهذا على ما يبدو ما تنخرط فيه المعارضة بشكل واسع). ضِمن ذلك يجري حديث الأوروبيين وأمريكا عن ضرورة إصلاح السلطة، فالمشكلة تُحصر في سوء إدارة المسؤولين الحاليين وليس في بنية النظام نفسه وهيمنة الاحتلال عليه.
تستطيع إسرائيل من خلال الانتخابات التي ينتج عنها قيادة فلسطينية شرعية (منتخبة) أن تقول للعالم، أن المشاكل التي تحدث للفلسطينيين ليست بسبب الاحتلال، بل تكمن في قدرة “الشريك” الفلسطيني على ضبط الفلسطينيين وتحقيق الأمن. هذا على الأغلب، وإذا ما اعتمدنا على تجارب الماضي، ينقل الأولوية الدولية من الضغط على إسرائيل إلى الضغط على القيادة الفلسطينية الجديدة.
الأخطر في كل ذلك، أنه كلما ارتفع الصخب حول “الديموقراطية” والشرعية غاب موضوع التحرر. هذا لا يعني أن الديمقراطية (والشرعية) سيئة بذاتها، بل ما أثبته تاريخ العلاقة بالاحتلال تشير إلى أن أي “امتياز” تمنحه إسرائيل للسلطة، بما فيها إفساح المجال أمامها لتبدو أكثر “شرعية” كما يحدث الآن، يجعل من الأسهل تغييب السيادة الفعلية للشعب.
ولفهم الشرعية على حقيقتها في الحالة الفلسطينية، فإن أخطر ما يربك العقل عند نقاش أمر فلسطيني له علاقة بمسائل ومفاهيم الاجتماع السياسي، كالانتخابات والشرعية والديموقراطية والسيادة والنظام السياسي والدولة، هو بحثها بالرجوع إلى أصولها الفكرية العالمية، دون الأخذ بالاعتبار “الاستثنائية” الفلسطينية من ناحية، وكذلك الافتراض “الوهمي” أنه فعل فلسطيني أو تعبير عن إرادة فلسطينية بحتة، فالاستثناء الفلسطيني أو الخصوصية الفلسطينية، يخلق وضعا تبدو فيه كل النظريات المعروفة غير كافية بل وفي أحيان كثيرة مضللة.
نتج الاستثناء الفلسطيني (أو الوضع الفلسطيني الشاذ) في الأمور المتعلقة بالنظام السياسي من “واقعة” غريبة، تمثلت في إنشاء سلطة “فلسطينية” على أراض محتلة لم يجر تحرير أي مساحة منها، فنشأ وضع غريب في العلاقة بين السلطة والسيادة، أربك السياسيين والباحثين معا، وأعطى المفاهيم السياسية معان مختلفة، واستخدامات مختلفة أيضا.
ذلك الوضع بدّل الثنائية الطبيعية، شعب فلسطيني تحت الاحتلال مقابل إسرائيل كدولة احتلال، هذه الثنائية التي من الطبيعي أن يحكمها التناقض والصدام، إلى وضعية ثلاثية الأقطاب؛ شعب فلسطيني وسلطة واحتلال، مع علاقات معقدة ومتداخلة ومتشابكة، بين أطراف المثلث، وتناقضات متحركة بينها، وأدوار مختلفة لكل منها في علاقتها بتلك التناقضات عندما انتقلت من ثنائية إلى ثلاثية. ومما يزيد الوضع إرباكا دور القوى “الخارجية”، الأمريكية والأوروبية والعربية التي تدخل على خط إدارة التناقضات الثلاثية بشكل مؤثر وغير منصف.
لنتخيل هذا المشهد المركب، علاقة الشعب بالسلطة وموقف إسرائيل، وعلاقة إسرائيل بالسلطة وموقف الشعب، وعلاقة إسرائيل بالشعب وموقف السلطة. في العلاقة بين كل طرفين يكون موقف الطرف الثالث على الأغلب أشد لفتاً للنظر وإثارة للسؤال، ما الذي يريده الشعب من العلاقة بين السلطة وإسرائيل، وما وضعه ودوره في ذلك؟. وما هو موقع السلطة وموقفها ودورها في “العلاقة” بين الشعب وإسرائيل؟. وما الذي تريده إسرائيل للعلاقة ومنها بين الشعب والسلطة، وكيف تستثمر في ذلك؟. لقد خلقت أوسلو وضعا يصعب فهمه، فما بالكم في التعامل معه؟!.
نعود لموضوع الشرعية الذي هو أمر لا يختصر بين طرفي الشعب والسلطة كما يُفترض، بل هو أمر ثلاثي ويصبح سداسيا إذا ما أخذنا دور الولايات المتحدة وأوروبا والدول العربية. في هذه الحالة، ما هي الشرعية التي نتحدث عنها؟.. ما هي أطرافها؟، وما غرض كل طرف منها؟، وما علاقتها بموضوع السيادة والحق؟.
في الوضع الطبيعي ترتبط الشرعية بالسيادة وبالقدرة على حماية الحق، فكلما توفرت السيادة للشعب وتبنى النظام موضوع حقوق المواطنين، نتجت شرعية طبيعية. ماذا عن تلك الشرعية في الحالة الفلسطينية، حيث لا سيادة للشعب، والحق الغائب الأكبر؟.
بتقديري أن بعض الأطراف الفلسطينية تجتهد لاعتبار الشرعية والانتخابات طريقا نحو السيادة والحق، لكنها ضمن موازين القوى الحالية حيث هي الجانب الأضعف، لن تتاح لها الفرصة لعمل أي شيء ذي قيمة، نتيجة الاحتلال المتحكم في كل الأمور الأساسية، والقوى المهيمنة التي تهدف من “الشرعية” التغييب الكلي للسيادة الحقيقية، والقضاء التام على الحق، وبتوقيع “شرعي” من صاحبه.
في الحالة الفلسطينية حيث ميزان القوى مختل بشكل هائل لصالح الاحتلال، وحيث القوى الخارجية على الأغلب “متآمرة” مع الاحتلال أكثر منها أطرافا محايدة، فإن “الشرعية” ستصنع على الأغلب سيادة مزيفة، تجعل منها مبررا للتنازل بدل أن تكون آلية للتحرر.
في مثل هذا الوضع، يفترض المنطق أن لا شرعية النظام ستكون أفضل من شرعيته بالنسبة للقضية الوطنية، فلا شرعية النظام تترك مجالا للطعن في صحة الإجراءات التي تمت بناء عليها التنازلات التي قدمها الجانب الفلسطيني ضغطا وإرهابا وفي ظروف غير مواتية، وتتيح فرصة للتراجع فيما لو تغيرت الظروف.
نحن أمام سؤال فلسطيني كبير، هل ما يجري هو “شرعية” يحتاجها الفلسطينيون تساعدهم في التخلص من الاحتلال، أم هو “شرعية” يحتاجها الاحتلال يكرس بها احتلاله ويشرعنه؟. أم تحتاجها أطراف أخرى لأخذ الأمر بعيدا عن موضوع الاحتلال إلى موضوع الشرعية والديموقراطية والحكم الرشيد؟. في تجارب التاريخ المعاصر، وفي ظل موازين القوى المعروفة، لم تكن قوى التحرر أبدا بحاجة لشرعية شكلانية، بل الذي احتاجها هو من أراد “التنازل” ومن أريدَ له أن يتنازل.
تسعى إسرائيل وقوى خارجية، وقد نجحت في ذلك إلى حد بعيد، إلى جعل سؤال السلطة الأساس فيما إذا كانت ديموقراطية أو فاسدة أو شرعية، بدل أن يكون فيما إذا كانت قادرة على قيادة الشعب الفلسطيني نحو تحرره أم غير قادرة؟.
“معركة” الانتخابات بظروفها وشروطها الحالية، ومفهوم الشرعية الشكلانية المتداول فلسطينيا وعالميا، تُحصر في إنتاج ممثلين لإدارة مساحة محدودة من شؤون الفلسطيني، بينما القرارات الحاسمة التي تحدد شروط حياته السياسية ومصيره الوطني، تقع خارج العملية الانتخابية.
بذلك تكون الانتخابات (والشرعية) الناتجة عنها قابلة للتحول من أداة للتحرر إلى أداة لإدارة واقع غير متحرر، وبذلك أيضا يتحول الشعب إلى ناخبين، سؤال التحرر والسيادة ليس من شأنهم، حيث يكرس الصراع الأساس بين الفلسطينيين أنفسهم بدل أن يكون بينهم وبين الاحتلال.
الأكثر إزعاجا في كل ذلك المشهد، أنه يجري أخذ الفلسطينيين إلى التمسك بروتين وآليات وسياسات وأدوات صُممت لمرحلة تراجع وهزيمة، في وقت أصبحت فيه الفلسطينيزم (Palestinism) منطلقا للتصدي لقوى الهيمنة في العالم، حيث تلك القوى الآن رغم توحشها في أكثر حالاتها انكشافا وارتباكا، وفي وضع يظهر فيه بداية تراجعها التاريخي.





