حديث الكتب!

بقلم : أسامه العيسه
السؤال الأصعب (ربما الأقسى)، بالنسبة لي، الَّذي طرحته نجوى بركات، على ضيفها الكاتب نبيل سليمان، حول مصير مكتبته بعد رحيله، مبررة السؤال، بمصير مكتبات كتَّاب، وذكرت أسماءً. مثل ممدوح عزَّام، أطال الله في عمر إبداعه، الذي فقد مكتبته في أحداث سوريِّة بعد سقوط النظام، والغائب المهم، ممدوح عدوان، ولا أعرف شيئًا عن مصير مكتبته.
أذكر أنَّني قرأت، صغيرًا، قصيدة للشاعر هارون هاشم رشيد، في مجلةٍ ربَّما كانت تصدر في خمسينيات القرن الماضي أو ستينياته، يرثي فيها مكتبته، الَّتي نكبتها النكبة. بحثت عن القصيدة ولم أعثر عليها، خلال كتابتي رواية: بنت من القدس الجديدة، فهي أيضًا عن رثاء المكتبات التي وصل بعضها، مجزوءًا إلى المكتبة الوطنيَّة في دولة الاحتلال، أو فُقدت تمامًا مثل مكتبة توفيق كنعان، الَّذي كان يتسلَّق سور القدس، مطلًا على منزله في المصرارة وهو يحترق، ودخان الكتب يتصاعد.
عانينا في الأرض المحتلة من حرب الاحتلال على مكتبتانا الصغيرة، أي اعتقال أو دهم، يعني تحميل الكتب، وبعض الَّذين صودرت كتبهم، قدموا للمحاكمة.
أذكر أنَّ أحدهم، مدَّني بمنشورات سرية، كان يخفيها مع قصائد لناظم حكمت والشاعر عبد المعين الملوحي في شق جدار مهترء، باعتبارها محظورة.
أعتقد أنَّ الأمر لم يكن يختلف في الدول العربيَّة. حدثني المخرج حنا مصلح، وكان عائدًا من دراسته في الخارج، أنَّ زملاءً عراقيين، حسدوه لأنَّه سيعود إلى مكتبته، بينما هم لا يستطيعون ليس فقط العودة (زمن صدَّام)، ولكن مكتباتهم فُقدت.
لكن ربما نظراتنا للأمور تتباين بتباين الأعوام وكرورها. أضيق مثلًا بسؤالين، عادة ما يطرحان من أصحاب يزورونني في مكتبتي، الأوَّل أتسامح معه قهرًا: هل قرأت هذه الكتب كلها؟ يعقبه عادة شهقة مفاجأة. أُقيِّم الزائر من هذا السؤال، فهذا يعني أنَّه لا يعرف شيئًا عن القراءة، ولا الصحبة. ولكن سماجة الزائر تتفاعل، فيرمي سؤالًا عن مصير المكتبة بعد عمري الطويل. وكأنَّه يرأني مغادرًا في الغد.
في سهرةٍ مع صديقٍ أكاديميّ وفنانة تشكيليَّة، أخذ الحديث عن مكتبتي، ولا أعرف كيف مسارًا عجائبيًا، بدأت التشكيليَّة تقدَّم لي مقترحات حول أفضل الأماكن التي يمكن أن أتبرع لها بمكتبتي.
ماذا يجري حقًا؟!!
أخبرني أحدهم، أن صديقة زارت مكتبته، وشهقت عندما رأت كتبه مكومة على الأرض، بعد دهم احتلالي لمنزله، سائلة: هل قرأت هذه الكتب؟ قال: رأيتها، وأنا أعاني من تبعات الدهم، بأسنانٍ تقطر دمًا، وقرون البلاهة تنبت في رأسها.
من يفتقد التعاطف مع الكتب، ويفكِّر فيم بعد موت الكاتب أو المثقَّف، فملامحه تعكس وجهًا كريها! الأمر لا يتعلَّق بالأفراد فقط، ولكن بمجتمعات، وقد يكون هذا مسوِّغ سؤال الكاتبة نجوى، التي ربَّما فكَّرت بمكتبتها، وهي تسأل الكاتب نبيل، بينما ظلال الجوانب كلها تخيِّم.





