القعقاع.. موهبة عربية سقطت قبل أن تجد من يؤمن بها

بقلم: د. سعيد محمد الكحلوت*

أشعر بالصدمة منذ مشاهدتي بالأمس لمقطع المغامر اليمني “القعقاع” وهو يهوي إلى قاع فوهة بركانية في اليمن.

سقط الشاب في حفرة يبلغ عمقها، بحسب ما تداولته المصادر، أكثر من مئة وعشرين متراً، وفشلت جهود الإنقاذ في الوصول إليه أو حتى العثور على جثمانه.

ومنذ ذلك الوقت وأنا أتنقل بين مقاطعه القديمة. يقف على حواف الصخور العالية، لا يعرف الخوف الطريق إلى قلبه. يتحرك بخفة مدهشة، ويقفز بين المرتفعات بثقة من عاش عمره كله مقيماً على قمم الجبال وفي سفوح الوديان. يملك جسداً مدرباً، وحساً فطرياً نادراً في قراءة التضاريس الصعبة والتعامل معها.

ثم اكتشفت شيئاً أكثر إيلاماً من الحادث نفسه.

اكتشفت أن هذا الشاب الذي كان يتعامل مع الجبال كما يتعامل آخرون مع الأرصفة، كان يبحث عن رزقه بنقش أسماء المتابعين على الصخور مقابل مبالغ بسيطة.

عندها شعرت بحزن ثقيل. ثقيل جداً.

ليس على القعقاع وحده، وإنما على فكرة كاملة تتكرر في عالمنا العربي كل يوم.

كم موهبة مرت من أمامنا ولم ينتبه إليها أحد؟

كم طفل امتلك قدرة استثنائية على الرسم أو الرياضة أو العلوم أو الموسيقى، ثم انتهى به المطاف في وظيفة لا تشبهه أو في معركة يومية من أجل لقمة العيش؟

أحياناً أشعر أن بعض بلدان العالم الثالث تشبه حقولاً واسعة تنبت فيها المواهب البرية دون أن يجدها أحد.

تنمو وحدها، وتتدرب وحدها، وتحلم وحدها، وتخوض معاركها وحدها أيضاً.

ينجو بعضها صدفة، هكذا صدفة، بينما يختفي الكثير منها بصمت دون أن ينتبه أحد لغيابها.

كان القعقاع مشروع رياضي محترف لم يعثر على نادٍ يحتضنه، والأصل أن نراه في برامج المغامرين الأبطال على ناشيونال جيوغرافيك وأخواتها.

رأيت فيه مدرباً محتملاً لفرق الإنقاذ الجبلي. رأيت إنساناً يملك مهارات نادرة كان يمكن أن تفتح له أبواباً كثيرة لو وُلد في مكان يملك مؤسسات تراقب المواهب وتستثمر فيها.

في أماكن أخرى من العالم، هناك أشخاص يبحثون عن أمثال القعقاع. يراقبون الأطفال في الملاعب، ويتابعون الشباب في المنافسات المحلية، ويملكون أعيناً مدربة على التقاط الموهبة قبل أن تضيع. أما عندنا فكثيراً ما تظل الموهبة مختبئة في جسد صاحبها حتى يرهقه الفقر أو تستهلكه الظروف أو تبتلعه المخاطر.

لهذا بدا خبر رحيل القعقاع مؤلماً على نحو خاص.

رحل القعقاع بائساً وبقيت خلفه نقوشه على الصخور تذكرنا بخيبة أنظمة تربوية واجتماعية كاملة.

كم شخصاً فقدناه لأن أحداً لم يلتفت إلى ما يملكه من قدرة استثنائية؟

وكم موهبة ما زالت حتى هذه اللحظة تتسلق جبال الحياة وحدها، تنتظر من يقول لها: نحن نراك، ونؤمن بك، ونستطيع أن نصنع معك شيئاً أجمل من مجرد النجاة؟

الرحمة للقعقاع، والعزاء لأهل اليمن الغوالي، والشفاء لقلوب كل من شاهد مقاطعه وأصيبوا بالخيبة مرة أخرى مثلي تماماً.

*أخصائي الصحة النفسية وكاتب
غزة – فلسطين

زر الذهاب إلى الأعلى