العفوري: “الشائعات” أفرزت هجرة طلابيّة “كارثيّة”..و”التعليم الخاص” تتهدّدهُ الخصومات “المهولة”  

 

خاص ل”كرم الإخبارية” – حاورته: بثينه السراحين

شخّص الخبير التربوي البارز الدكتور “مصطفى العفوري” الهجرة القائمة من المدارس الخاصة لناحية نظيرتها الحكومية ” بالكارثيّة”، مُفسراً أسبابها “بالشائعات” التي وجدت رواجاً بين العموم. حيث لم تفلح التطمينات والتوضيحات الحكومية المتكررة حول آلية التعليم المُزمعة للعام الدراسي المّشارف في تهدئة هذه الشائعات وتطويقها؛ حسبهُ.

وحذر “العفوري” من التأثيرات السلبية للهجرة الطلابية؛ وذلك لجهة إضعاف قدرة  المدارس الخاصة على البقاء والديمومة، خاصةّ تلك التي تقدم تخفيضات “مهولة” في قيمة رسومها المدرسيّة. مُتوقعاً أنّ الكثير منها لن يصمد مطولاً أمام معادلة مختلة؛ تتمثل بتراجعٍ حاد في نسب التسجيل فيها، في الوقت الذي ألزمتها الحكومة بتسديد رواتب عاملين فائضين عن حاجتها، ما ضاعف من حجم المعضلة التي تواجهها المدارس الأهلية؛ وفقهُ.

“العفوري” الذي ذكر أن الحكومة مُلزمة دستورياً بإستيعاب الأعداد المتواترة للطلبة المُهاجرين لمؤسساتها التعليمية، أوضح أن تجربة جهازها التعليمي لم تصل لمرحلة “نضج” كفيلة بتطبيقه لعملية تعليم إلكتروني شمولي ناجز. لافتاً إلى أنّ التعليم عن بُعد – حال مُعاودة تطبيقه – قد يسبب إرباكاً لدى الأسر التي لديها أكثر من طالب مدرسي؛ وتحديداً لناحية التجهيزات التي يتطلبها هذا النظام التعليمي.

.. محاور تربوية أخرى عديدة تحدث عنها المدير العام لمدارس النظم الحديثة والقطب التربوي المخضرم الدكتور “مصطفى العفوري” في حوار شامل مع ” وكالة كرم الإخبارية” تالياً تفاصيله:

*نعايش حالياً هجرة طلابية محمومة من المدارس الأهلية لجهة نظيرتها الحكومية؛ فهل تنكّر أولياء الأمور للمدارس الخاصة التي لطالما منحت أبناءهُم تعليماً فائق الجودة ومُستقى من أفضل مراجِعهُ العالمية؟

لنعد إلى الوراء قليلاً وتحديداً إلى مرحلة التعليم عن بُعد التي شهدتها المدارس الخاصة كسواها الحكومية خلال الفصل الدراسي الثاني من السنة الدراسية الفائتة المتزامنة مع جائحة “كورونا”. والتجربة المُستجدة هذه أفرزت، وإنطلاقاً من تجربتنا المباشرة في مدارس النظم الحديثة، فئات ثلاثة لشريحة أهالي الطلبة، الأولى منها تُقدر بنسبة جيدة وبنحو (50%) من مُجمل الأهالي الذين قدّروا وثمنوا الجهود التي قدمتها المدرسة، معتبرينها جهوداً وازنة ومتميزة؛ استحقت منهم تقديم الشكر للكادر التعليمي، ممن بذل جهوداً مضاعفة عن تلك التي يقدّمها في الأيام الطبيعية، لترتفع من (6) ساعات دوام مدرسي يومياً إلى نحو (18) ساعة عمل في ظل طارئة “كورونا” والتعليم الإلكتروني المترافق لها آنذاك. وهذه جهود كانت فئة جيدة من أهالي الطلبة وبنحو(50%) متماهية معها على نحو إيجابي، لجهة إلتزامهم وجدِّيتهم وأبناءهُم الطلبة مع النظام التعليمي المستجدّ والطارىء، فحصدوا فائدته ولم يفوّتوا عليهم حينها شيئاً من مراحل التعليم الدراسي الإلكتروني.

وأما الفئة الثانية من أهالي الطلبة؛ ومع أنّ نسبتها محدودة ولا تتجاوز (20%) منهم، إلا أنها تنكّرت وبصورة مؤسفة ومؤلمة لما تمّ إنجازه من قِبل المدرسة، وذلك بالرغم من أنّ تقصيرهم وتقاعسهم هو السبب الرئيسي لتفويت فرصة التعلم الحقيقي على أبنائهم، حيث وحسب قراءتنا للأمر لم يكن لهذه الفئة من أولياء الأمور سلطة كافية على أبنائهم لدفعهم إلى إلتزام التعليم الإلكتروني والإنضباط بقنواته المتاحة والمتكاملة من قبلنا.

وبالنظر إلى الفئة الثالثة والتي تتمثل بالنسبة المتبقية (30%) من أهالي الطلبة، فنجدها هي الفئة المتأثرة بالفئة الثانية السابق ذكرها أعلاه، فهذه الفئة الثالثة والتي كانت على  (طرف الحياد) في الماضي القريب (أي أثناء التعلم الإلكتروني لأبنائها إبان الموجة الأولى لجائحة كورونا) لمسنا بأنها باتت تتأثر بالفئة الثانية (التي حمّلت تقصيرها وأبناءها للمدرسة)، وباتت (الفئة الثالثة 30%) تعتقد بأن (الفئة الثانية 20%) من أهالي الطلبة على صواب وأخذت تنحاز لخانتها. ومن هنا بدأت عمليات النزوح الجماعي من المدارس الأهلية لجهة مثيلتها الرسمية؛ وذلك بالرغم من أن الحكومة حاولت مراراً وتكراراً نفي الشائعات والإفتراضات والتكهنات المغلوطة الحائمة حول أنّ التعليم للسنة الدراسية الحالية سيكون عن بُعُد. وهذا غير صحيح برمته، غير أنّ الناس للأسف ينزعون بطبيعتهم للإنجراف وراء الشائعة.

*وماذا عن التداعيات السلبية للهجرة الطلابية على مدارسكم “النظم الحديثة”، والمدارس الأهلية في عمومها؟

التسجيل في مدرستنا لم يتجاوز حتى ما قبل ثلاثة أيام من بدء العام الدراسي الحالي ما نسبته (38%) من نسبة التسجيل للسنة الدراسية الفائتة، وهذه كارثة حقيقية؛ خاصة إذا ما ذكرنا بأن الحكومة أجبرتنا على تجديد عقود كافة العاملين لدينا على الرغم من عدم حاجتنا لعدد كبير منهم. ونحن – ومع تقديرنا لجهودهم- إلا أنّ هؤلاء الذين أقصدهم باتوا فائضين عن حاجتنا التشغيلية، وعقودهم مُنتهية حُكماً ولا عمل لديهم ليقدموه لنا في ظل إنتفاء الحاجة إليهم.

وحول شكل النزوح الطلابي في عمومه؛ أعتقد بأن المدارس الخاصة التي تطبق البرامج التعليمية الأجنبية سيكون أولياء أمور طلبتها مُجبرين على إستكمال تعليم أبناءهم فيها، وذلك لأن هذه البرامج التعليمية – أي الدوليّة – غير متوفرة في المدارس الحكومية. ومع ذلك فإنّ المدارس الخاصة وفي ظل ما تقدمه اليوم من خصومات مهولة في رسومها التعليمية التي تفوق المنطق والمعقول ستضحي نتيجة ذلك بمستوى التعليم المعهود لديها، أو أنها – وفي أحسن الأحوال – لن تستطيع الإستمرار في العمل خلال الفصل الثاني من السنة الدراسية الحالية، وذلك نتيجة حتمية لحجم النفقات المترتبة عليها والتي بقيت بذات القيمة المادية في الوقت الذي تقلصت إيراداتها وتدنت إلى مستويات غير معقولة. والأمر عموماً غير مُبشر خاصة وأنّ الظروف الإقتصادية للناس لن تتحسن في القريب العاجل، حيث تحتاج سنة على الأقل للتعافي والعودة لسابق عهدها.

*الإكتظاظ الطلابي في المدارس الحكومية الذي أنجمهُ النزوح الطلابي إليها.. ما أبعاده المستقبلية المتوقعة – من وجهة نظرك كتربوي- على مُخرجاتها التعليمية؟

الهجرة من المدارس الخاصة لجهة نظيرتها الحكومية محمومة ومتواترة، وذلك وفق الأرقام الرسمية التي أظهرت بأن عددها جاوز (46) ألف عملية إنتقال للمدارس الحكومية، في حين أنّ عدداً مماثلاً من الطلبة على قائمة الإنتظار. والحكومة من جانبها عمدت – ولمعالجة هذا الوضع الطارىء – لإستيعاب الإكتظاظ الطلابي عبر تقسيم الدوام في الصفوف المدرسيّة إلى ثلاثة أيام، وتقليص وقت الحصص الدراسية، في حين رفعت نصاب معلميها من (22) حصة إلى (28) حصة. وكما عمدت للعمل بالنظام الهجين في مدارسها الرسمية، علماً بأنّ هذا النظام غير مُلزمة به المدارس الخاصة غير المكتظة والتي تستطيع تحقيق بروتوكولات الدوام الطبيعي.

وعموماً لا يستطيع أحد إنكار حق أيّ طالب في الحصول على التعليم الحكومي، وهذا حق منصوص عليه دستورياً، وبالتالي من واجب الحكومة تلبية إحتياجات المواطنين.

*يظل التعليم عن بُعد خياراً مُحتملاً للحكومة حال تفاقمت الجائحة الصحية الكورونية لدينا؛ فهل يملك نظامنا التعليمي الرسمي المقدرة على إنفاذ هذه التجربة على نحو متبلور؟   

بالتأكيد ستتأثر مخرجات التعليم الحكومي الإلكتروني سلباً في هذه الحالة، ذلك أنّ تجربة التعليم عن بُعد لدينا لم تنضج بما يكفي لجهة تغطية الإحتياجات التربوية والإجتماعية، حيث كانت التجربة الأولى في التعليم عن بُعد – والتي شهدناها خلال الفصل الثاني من السنة الدراسية الماضية – تجربة أشبه (بالفزعة)، ولا يمكن الأخذ بجديتها إلا في حالات معينة كأن يتم إستخدامها على شاكلة (تعليم داعم) لما تلقاه الطالب من تعليم على مقاعد الدراسة في الصف المدرسي، حيث تصلح لتكون وسيلة لمراجعة الدروس التي تعلمها الطالب، غير أن وسيلة التعلم عن بُعد لا تصلح على وجهها المتكامل الذي تنشدهّ الحكومة، خاصة وأنها تُفقد الطالب خاصيّة الترابط الكافي مع طاقمه التعليمي، وتحديداً في حال وجود عدد من الأخوة الطلبة في منزل واحد.

وهنا أتساءل عن الكيفية التي نستطيع وفقها إيجاد بيئة ملائمة لتعليم إلكتروني لعدد من الطلبة الأخوة في ذات الوقت؟، كما أن المنطق يقضي بأنه حتى لو وزعت الحكومة أجهزة (تابات) علي بعض الطلبة فإنّ بعض العوائل التي تفترض الحكومة بها المقدرة على توفير أجهزة تعليم إلكتروني لأبنائها فإنها ربما لن تكون عملياً مؤهلة مادياً لذلك، وعموماً فإن التجهيزات المناسبة الكفيلة بإنفاذ مثل هذا النوع من التعليم يستحيل توفيرها في كافة منازل الطلبة.

*اعترض بعض قادة الفكر على نتائج امتحان “التوجيهي” الأخير ونِسَبْ النجاح المرتفعة فيه، وعدد الحاصلين على علامة كاملة فيه (عددهم بلغ 78 طالبا).. معللاً بعضهم الأمر بمحاولة تدمير الإمتحان الوزاري تمهدة لخصخصة الجامعات.. تعقيبك كتربوي؟

أصحاب هذا الرأي غير مطلعين على طبيعة الإمتحان، فالخيار المتعدد للإجابات والذي يتمحور حوله هذا الإمتحان، أثّر فقط على العلامات المرتفعة للطلبة، في الوقت الذي لم يؤثر في نسب النجاح ذاتها. وعليه فإن المقياس الحقيقي للإمتحان ليست العلامات العالية. كما أننا يجب أن لا نغفل بأنّ الإمتحان المتعدد الذي ترتكز عليه إختبارات التوجيهي حالياً، يتيح للطلبة المتميزين فرصة تدقيق إجاباتهم، وهذا لم يكن موجوداً من قبل. حيث في السابق كان العامل البشري يتدخل بصورة كبيرة في تحديد علامة الطالب ولأسباب كثيراً ما تكون غير مرتبطة بصحة إجابته من عدمها، وتحديداً في المواد الإنسانية، وليست العلمية منها، فالتقييم هنا كان يختلف من مُصحّح إلى آخر، وهذا الأمر إنتفى اليوم تماماً في ظل الخيار المتعدد للإجابة.

وهنا لا بد لي من طرح السؤال الأهمّ: لماذا لا نعترض على طلبتنا الذين يقدمون إمتحانات دولية ويحصلون على علامات كاملة؟ فهل يجرؤ قادة الفكرعلى جلد هؤلاء؟ وهل يعتبر إمتحان التوجيهي في دولة مثل “السعودية” فاقداً للمصداقية، وهي الدولة التي تصدر سنوياً نحو (1000) طالب توجيهي بعلامة نجاح كاملة وبنسبة (100%)؟. ومن الضرورة هنا التذكير بأنه يتوجب علينا أثناء الحكم على أي إختبار الأخذ بدرجة الثبات ودرجة المصداقية كمقياس منطقي وعلمي، وعدا ذلك فإن ما يقوله هؤلاء المعترضون مجرد رأي عاطفي ومندفع.

*كيف تقيّمون في “مدارسكم النظم الحديثة” حصيلتكم في إمتحان “التوجيهي” الأخير في ظل نهجكم الراسخ لناحية تصدير نخبة من الطلبة الرياديين سنوياً على مستوى المملكة قاطبة؟

حصد أحد طلبتنا علامة كاملة (100%) في إمتحان”التوجيهي” الأخير، وكما حصل أكثر من (110) طالب من مدارسنا على معدلات تفوق (95%) في ذات الإمتحان.

والأمر كذلك؛ نؤكد بأننا ما زلنا نتمسك بالكادر التعليمي والإداري المتميز و كذلك الحال نواصل تصديرنا للطلبة المتميزين والقادرين على الإنجاز والإبداع.

 

 

 

 

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى