تجربتي مع الأزرق في (آفاق زرقاء).. بقلم: محمد نصرالله

هذا الأزرق يخترق عالمي دائماً بألوانه واشكاله كلما اتسع الفضاء بآفاقه وتلمَّستُ بحرية الأشياءَ يبدأ من النهاية أو ينتهي في البداية بانتهاء لوحتي الصورة الأولى التي في ذاكرتي أيام الطفولة والشقاوة أتذكرها عندما كنت أسكن في مخيم الوحدات ، صورة بركة الماء الموجودة في حارتنا والتي كنت من خلالها كل يوم ، أتامل بعيون متلهفة علّني أمسك على صفحتها السماء الزرقاء ووجه البحر الأزرق ، وكل تلك الأشياء التي كانت تتحرك على سطحها وتبعث في داخلي التأمل. وهذا ما جعلني أستعيدها ثانية مرة بعد أخر لأصوغها من جديد باحثا ومستكشفا آفاق اللون الأزرق الذي يمتد بعيداً بلا نهاية ليلون خلايا ذاكرتي ، وليكون العتبة التي أقف عليها اليوم متأملاً معناه.

أذكر أيضاً واقعة أخرى حينما كنت أقذف تلك البالونات في البركة ، البالونات التي كانت تشبه إلى حد كبير (الليمونة). وهذا التأمل تحول في لوحاتي إلى كائن حي له تداعياته الجمالية الأخرى. وأضاف إليها طعماً خاصاً ، لتبعث الكتلة والحركة والخطوط وهي محلّقة في اجوائها السماوية التي تتجول في ذاكرتي ، مانحة إياي الحرية في تأسيس المشهد وبعثه من جديد.

كل تلك الأشياء هي التي قادتني إلى معرفة اللون الأزرق فالأزرق لون السماء ولون البحر الذي أنتمي إليه في رحم هذا الفضاء البصري. وهو سر عميق أحاول التعبير عنه من خلال هذه التقنية. لأنني أحاول التعبير عنه بالروح وأنا أنقل الأحاسيس والطبيعي من خلال البعد الذاتي والتأملي والإنساني.

ولهذا كان عليّ أن اتعامل مع هذه التجربة بعد ان أحسست أنها اعادتني إلى الذاكرة لأصوغ تلك الصور قريبا من الأتجاه الرمزي بكل ظواهره لأكتشاف المعنى والايحاء به.

لطالما أحسست أيضاً بقوة هذا الأزرق ، أذكر مقولة افلاطون الشهيرة التي تذهب إلى “أن كل المحسوسات ما هي في الواقع الا رموزاً وصوراً لحقائق في عالم المُثل” وهنا أشير إلى انني قد استخدمت اللون الأزرق من قبل في مراحلي السابقة ولكن كان اقرب باتجاهه إلى الحلم والواقع لنقل ألم هذا العالم الذي أنتمي إليه. لأعيد تشكيله وصياغته وتكثيفه بهذا المعني وتحرير جماله كحالة شعرية.

وفي تجربتي (آفاق زرقاء) شعرت ان اللون الأزرق أيضاً قد صار مرجعي الأساسي الذي يقودني نحو مقياس رؤية ابداعية أخرى بشكل اللوحة التي تثير إحساساً بالحركة عبر التكوين الفني البصري. ولا أريد أستخدام حريتها الشكلية للتطاول على تسييس خطوطها ورموزها لأنها تبقي في ذاكرتي خزاناً للأحاسيس بكل كائناتها الجمالية التي تخلق حالات روحية بعيدة كل البعد عن المباشرة ، سواء كان ذلك على مستوي الرؤية أو اللاوعي في لوحاتي ، خاصة أنني أصبحت أميل نحو الاختزال الآن في الشكل والخط واللون. إنها رموز من الأشياء المحيطة بي لكنني أجد فيها ذاتي. من حيث البحث والتجريب. لكي أتوصل إلى لغة موسيقية خاصة بلوحتي أيضاً. وبالمنجز الذي أعمل عليه.

هذه واقعة اللون الأزرق الذي أصبح يسيطر بشكل كبير على فضاء لوحاتي وهو الذي يحرضني ليؤثث بنيتة التكوينية ويثير بخطوطه وألوانه المتعرجة وعناصره المتحركة الفضاء البصري ، لخلق معاني جديدة كامنة في روح هذه اللوحات.

محمد نصرالله

mohammad-nas.jpg

زر الذهاب إلى الأعلى