أمة على حافة التاريخ

المتأمل في تاريخ العرب القريب، على الأقل، ينتهي إلى نتيجة واحدة مفادها أن العرب شعوبا وأحزابا وأنظمة لم يتمكنوا من إنجاز مشروع متكامل سواء أكان ثوريا أو حضاريا.
بل إن غالبية تلك المشروعات التي حاول العرب انجازها دائما ما انتهت إلى خراب يعود به العرب إلى حيث ابتدأوا، ولكن بعد فوات الأوان.
يمكن الاستدلال على ذلك بأمثلة كثيرة نذكر منها على صعيد الثورات مثلا:
الثورة الفلسطينية، التي انطلقت تحت الشعار العظيم تحرير الأرض من الاحتلال الإسرائيلي، وفقدت من أجل ذلك آلاف الشهداء وآلاف الأسرى، لتدخل بعد ذلك في صراعات بينية بعيدة عن جوهر الصراع الحقيقي ما انتهى بها إلى ذكر بعد أثر وإلى سلطة حكم لا تقدم ولا تؤخر. 
منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي بدأت فصائل فلسطينية تتحلل شيئا فشيئا من المقاومة المسلحة بطرحها البرنامج المرحلي، الذي تم تبنيه لاحقا وأفضى إلى اتفاق أوسلو وسلطة حكم ذاتي لا دور لها سوى التنسيق الأمني مع الاحتلال وملاحقة المقاومين على أنهم مخربون وإرهابيون. 
في نهاية ثمانينيات القرن المنصرم كان الأمل معقودا على أن تُبقي حركة حماس شعلة المقاومة متقدة، غير أنها انخرطت لاحقا في مشروع سلطة الحكم الذاتي، ليبدأ أثرها المقاوم بالتراجع تدريجيا بعد سيطرتها على قطاع غزة، ولتتبرأ منه مطلقا بإعلانها عن وثيقتها الجديدة التي عادت فيها إلى 4 عقود مضت بتبنيها بشكل أو بآخر البرنامج المرحلي. 
اليوم، تهرول حماس بعيدا بما تسرب من اتفاق يجمعها مع محمد دحلان، الذي انقلبت عليه في 2007، باتجاه مشاركتها في حكم “دويلة غزة” والتوسع في صحراء سيناء في مشروع يُبعد القطاع عن عمقه الفلسطيني بتكريسه الانقسام وربما الإنفصال. 
إن السؤال المطروح، لماذا ضحينا بكل ذلك الوقت والشهداء والأسرى والجرحى والمهجرين ما دامت النتيجة ستكون على هذا النحو؟، ثم إن السؤال ما الذي تم تحقيقه من الشعارات الأولى؟. 
هذا السؤال ينطبق تماما على الثورات العربية، باستثناء التونسية، ففي ليبيا أين هي الحرية التي نادى بها من يطلقون على أنفسهم وصف الثوار؟، وأين هي في مصر بعد أن فشل الإخوان المسلمون في أن يكونوا بديلا مؤهلا لأنظمة الحكم التقليدية عندما مارسوا ذات أدواتهم في الحكم، وأين هي من الثورة التي نادى بها “ثوار مصر” بالحرية والنهضة والدولة المدنية والرفاه الاقتصادي من الحالة التي وصلت إليها مصر في عهد السيسي؟.
أين هي شعارات الثورة التي نادى بها من أطلقوا على أنفسهم المعارضة في سوريا بعد الخراب الذي أوصلوا بلادهم إليه وبعد أن رهنوا أنفسهم لأوامر المموّل وبعد أن ساهموا في تجميع كل “حثالات العالم” القادمين من المغر والأقبية لإقامة “شرع الله” عبر قطع الرؤوس والجلد والحرق.
هذا هو ما كان يطمح إليه “ثوار ومعارضو الفنادق”، بعد أن كان السوريون قبل العام 2011 يعيشون في وضع اقتصادي قلما تجده في مجتمع آخر حيث تضخم مستوى دخل الأفراد في 10 سنوات، سابقة على ذلك التاريخ، إلى 3 أضعاف على الأقل، بالإضافة إلى حصولهم على حقوقهم الصحية والتعليمية والخدمية أشبه ما تكون بالمجان.
الأمثلة على الفشل العربي لا تتوقف عند ذاك، بل يمكن الإضافة إليها عنوان فشل آخر وشبيه بما سبق عند الإشارة إلى الأزمة الخليجية المحتدمة اليوم، فمن كان يتوقع قبل 7 سنوات على الأقل أن يصل الحال إلى ما وصل إليه من تحول دول الخليج العربي من مجلس تعاون إلى مجلس تناحر وتحارب بعد أن بات الخيار العسكري مطروحا إثر اتساع الفجوة بين أطراف النزاع.
العرب، أمة تعيش على حافة التاريخ إن لم نقل إنها تكاد تكون خارج دائرة التاريخ، بعدم قدرتها على امتلاك مشروع حقيقي سوى مشاريع الخراب التي تعيدها إلى عشرات السنين إلى الوراء أو إلى مصاف الدول الفاشلة. 

زر الذهاب إلى الأعلى