“معجزة” الألمان: منتخبان قويان
عندما قرّر يواكيم لوف مدرب منتخب ألمانيا استدعاء الفريق الثاني لـ “ناسيونال مانشافت” وبينه 7 وجوه جديدة لكأس القارات، ارتسمت علامات الاستغراب على وجوه كثيرين، إذ رغم أن البطولة لا تحمل أهمية توازي كأس العالم أو كأس أوروبا، إلا أنها تبقى ساحة تنافس لأبطال القارات بمن فيهم البرتغال بطلة أوروبا مع نجمها كريستيانو رونالدو، وتشيلي بطلة أميركا الجنوبية مع نجميها أرتورو فيدال وأليكسيس سانشيز. وجد البعض أن ما يذهب إليه لوف “مغامرة” غير محسوبة النتائج خصوصاً أن إسم ألمانيا بتاريخها في قلب التحدّي وتلقيّها الخسارات بتشكيلتها اليافعة المُستدعاة يضر بصورتها كبطلة للعالم، في حين أن الروس منظمي الحدث لم يخفوا امتعاضهم من خطوة لوف، ذلك أنهم كانوا يريدون حضور نجوم ألمانيا في عرسهم الكروي لما لذلك من فائدة للبطولة وزيادة في استقطاب الأضواء إليها.
إلا أن لوف وضع كل ذلك خلف ظهره وأصرّ على الرهان على تشكيلته الشابة. لم يكن هدف هذا المدرب الفوز باللقب بل إعداد جيل جديد يتسلّم المشعل من الجيل الحالي
في الواقع، وبعد مرور جولتين على البطولة، لا يمكن القول إلا أنه بموازاة المفاجأة التي أحدثها لوف باستدعائه عناصره الشابة، فإن المفاجأة تبدو أكبر لما قدّمته هذه التشكيلة والذي فاق التوقّعات. فوز أول على أستراليا 3-2 مع أداء مميّز خصوصاً في الشوط الأول الذي اكتسح فيه الألمان خصومهم. أما المباراة الثانية أمس فهي “مربط الفرس” إذ إن ما صنعه الشبان الألمان فيها ليس عابراً أمام تشيلي بطلة أميركا الجنوبية، حيث خرجوا بتعادل بطعم الفوز 1-1 ، والأهم من ذلك هو الأداء الذي قدّمه المنتخب الشاب أمام منتخب يفوقه خبرة بأشواط بلاعبيه المتواجدين سوياً منذ سنوات، والذين شاركوا في كأس العالم وأحرزوا بطولة “كوبا أميركا”. يكفي فقط الإشارة هنا إلى أمر لافت وهو أن لاعبي ألمانيا جميعاً الذين كانوا في الميدان أمس هم من مواليد التسعينات فيما أن لاعبي تشيلي جميعاً هم من مواليد الثمانينات، غير أن من تابع المباراة تحديداً في الشوط الثاني الذي تحكّم فيه “المانشافت” باللعب لم يشعر أبداً بفارق الخبرة بين الطرفين، إذ بدا اللاعبون الألمان واثقين بقدراتهم وكأنهم يلعبون سوياً منذ سنوات.
لذا لم يكن مستغرباً أن يشعر لوف بسعادة كبيرة بعد المباراة كما عبّر عن ذلك، إذ إنه يدرك أن ما قدّمه لاعبوه الشبان غير عابر أمام أحد أقوى المنتخبات في العالم وزعيم أميركا الجنوبية متفوقاً على البرازيل والأرجنتين.
ما يجدر قوله هنا أن لوف كسب رهانه بسرعة مدهشة، إذ مجرّد وصوله المتوقّع جداً إلى نصف النهائي مع أداء كبير يبدو إنجازاً وربما قد يكمل المشوار نحو النهائي، وفي هذا الأمر انعكاسات وفوائد ستظهر نتائجها في المدى المنظور.
أولاً فإن ألمانيا كسبت منتخباً ثانياً بإمكان لوف الإستعانة به في الاستحقاقات المقبلة قبل مونديال 2018 وتحديداً بإعطائه الفرصة في المباريات الودية ومباريات التصفيات خصوصاً أن “المانشافت” يقترب من التأهّل.
ثانياً فإن ألمانيا كسبت مواهب وبدلاء ستستفيد منهم في المونديال المقبل، وهذا مهم للغاية، إذ إن الطريق نحو اللقب تحتاج إلى فريق يمتلك مقعد بدلاء بكفاءة عالية وجهوزية.
ثالثاً فإن ما يقدّمه هؤلاء الشبان سيزيد الضغط على نجوم المنتخب الأساسي ويدفعهم لتقديم كل ما يملكون وأن لا يستهترون، ذلك أن مراكزهم باتت مهدّدة بوجود بدلاء كفوئين، وهذا التنافس مفيد لا شك لـ “ناسيونال مانشافت” ويرفع من مستواه.
ما يصنعه لوف حالياً مع ألمانيا لا يُصدّق ولم تشهده الكرة على مستوى المنتخبات، إذ بينما تسعى بلدان أخرى لإعداد منتخب قوي يمثلها، فإن هذا المدرّب بات يمتلك منتخبين لا يقلّ أحدهما قوة عن الآخر. إنها “المُعجزة” بحد ذاتها.





