بالفيديو.. فرنسا تغلي من الداخل وعنف شديد في الشوارع

تواجه فرنسا تداعيات موجة من أعمال الشغب والنهب والتخريب، عقب احتجاجات واسعة شارك فيها مئات الآلاف من المواطنين للتنديد بارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، وسط مواجهات عنيفة مع الشرطة في عدد من المدن، وخسائر مادية طالت متاجر ومبانٍ عامة ومعالم تاريخية.

وتعمل السلطات الفرنسية على حصر الأضرار الناجمة عن أحداث العنف التي شهدتها البلاد، فيما تعهدت الحكومة بالتعامل بحزم مع المتورطين في أعمال التخريب، في ظل تصاعد التوتر الاجتماعي والضغوط السياسية قبل الانتخابات الرئاسية المقررة في عام 2027.

1200 موقوف وإصابة 150 شرطيًا

أعلن رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو، توقيف 1200 شخص على خلفية الاحتجاجات التي شهدتها البلاد أمس السبت، فيما أصيب نحو 150 شرطيًا خلال المواجهات، بحسب ماذكرت وسائل إعلام غربية.

وقال لوكورنو، خلال تفقده عناصر الشرطة وسط العاصمة باريس، إن “الحصيلة كان من الممكن أن تكون أكبر”، مؤكدًا أن “الحكومة لن تخضع للترهيب أو تسمح بفرض أجندات سياسية من خلال العنف”.

واتهم رئيس الوزراء “مجموعات من اليسار المتطرف وأشخاصًا خارجين عن القانون” بالوقوف وراء الاضطرابات، محذرًا من محاولات استغلال أعمال العنف لتحقيق مكاسب سياسية مع اقتراب الاستحقاق الرئاسي.

من جانبه، تعهّد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بملاحقة المتورطين في أعمال التخريب والاعتداء على المؤسسات والشركات ونهب المتاجر، مؤكدًا ضرورة محاسبة المسؤولين عن هذه الأحداث.

حرائق واقتحامات تطال مباني عامة ومعالم تاريخية

امتدت أعمال العنف إلى عدد من المدن الفرنسية، بينها مرسيليا وليل وبوردو وغرونوبل وليون وليموج، حيث تعرضت مبانٍ عامة ومؤسسات تجارية للتخريب والاقتحام.

وفي مدينة ليموج وسط فرنسا، اندلع حريق في مبنى البلدية التاريخي العائد إلى القرن التاسع عشر، وأفادت السلطات المحلية بأن النيران تسببت في انهيار جزء من المبنى، وسط تقارير عن تعرضه لأضرار جسيمة.

وفي ليون، اندلع حريق في أحد فروع مكتب السياحة، ما دفع رئيس البلدية غريغوري دوسيه، إلى وصف الواقعة بالمأساوية، نظرًا إلى القيمة التاريخية للمبنى ومكانته ضمن معالم المدينة.

كما أعلنت السلطات المحلية تعرض مقر إقامة المحافظ في بوردو للنهب، فيما اقتحم محتجون مبنى بلدية مرسيليا لفترة وجيزة، قبل أن تتدخل السلطات للتعامل مع الموقف.

وفي العاصمة باريس، شهدت ساحة الجمهورية مواجهات بين المحتجين وقوات الأمن، التي استخدمت الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه لتفريق المتظاهرين، بينما ألقى بعض المشاركين مقذوفات وألعابًا نارية باتجاه الشرطة.

ووفقًا لتقارير إعلامية فرنسية، تعرض مقر قناة “سي نيوز” التلفزيونية، المملوكة للملياردير الفرنسي فانسان بولوريه، لهجوم من جانب نحو 100 متظاهر ألقوا مقذوفات باتجاه واجهة المبنى.

وحذّر رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو، من التداعيات الاقتصادية لأعمال العنف، مشيرًا إلى أن “فاتورة الأضرار المادية قد تكون باهظة”، فيما توقع ألكسندر بومبار، رئيس اتحاد التجارة والتوزيع في فرنسا، انعكاسات مالية واقتصادية كبيرة على الأنشطة التجارية.

من أزمة التعليم إلى الغلاء وتراجع القدرة الشرائية

تعود جذور موجة الاحتجاجات إلى تحركات طلابية بدأت في أواخر سبتمبر/ أيلول الماضي، على خلفية مطالب بتحسين أوضاع التعليم وزيادة الإنفاق على المدارس، في ظل شكاوى من نقص المعلمين والموظفين، واكتظاظ الفصول الدراسية، وتدهور البنية التحتية للمؤسسات التعليمية.

وانطلقت الاحتجاجات من مدارس في ضواحٍ فقيرة شمال باريس، قبل أن تمتد إلى مناطق أخرى من البلاد، وتنضم إليها نقابات عمالية ومجموعات احتجاجية، وسط انتقادات لأساليب تعامل الشرطة مع المتظاهرين.

وتصاعدت حدة التوتر بعد إصابة فتى يبلغ 15 عامًا وفقدانه إحدى يديه إثر التقاطه قنبلة صوتية خلال الاحتجاجات، فيما فتحت هيئة الرقابة على الشرطة تحقيقات بشأن شكاوى تتعلق باستخدام القوة ضد المحتجين.

ومع اتساع نطاق التحركات، تجاوزت المطالب قطاع التعليم لتشمل ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، في ظل شعور متزايد لدى قطاعات من الفرنسيين بأن مداخيلهم لم تعد تواكب الارتفاع المستمر في الأسعار.

ونقلت تقارير إعلامية عن مشاركين في الاحتجاجات شكاوى من صعوبة تغطية النفقات الشهرية، مؤكدين أن ارتفاع الأسعار وثبات الأجور نسبيًا يفاقمان الضغوط على الأسر.

وتأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه فرنسا تحديات اقتصادية ومالية، بالتزامن مع مساعي الحكومة لخفض الدين العام وضبط الإنفاق، وسط مخاوف من انعكاسات الإجراءات الاقتصادية على مستويات المعيشة والخدمات العامة.

احتجاجات فرنسا تتحول إلى ساحة للصراع السياسي

ألقت الأزمة بظلالها على المشهد السياسي الفرنسي، مع اقتراب الانتخابات الرئاسية المقررة عام 2027، وتصاعد الخلافات بين القوى السياسية بشأن أسباب الاحتجاجات والمسؤولية عن أعمال العنف.

وأعلن زعيم حزب “فرنسا الأبية”، جان لوك ميلانشون، دعمه للحركة الطلابية، وشارك في إحدى التظاهرات المؤيدة لمطالبها، بينما تبنى حزب “التجمع الوطني” موقفًا داعمًا للشرطة، محذرًا من استغلال الاحتجاجات لتحقيق أهداف سياسية.

وفي محاولة لاحتواء الأزمة، دعا وزير التعليم إدوار جيفري، إلى وقف أعمال العنف، مشددًا على أن الحوار يمثل السبيل لمعالجة الخلافات والاستجابة للمطالب المتعلقة بالتعليم.

وبين المطالب الاجتماعية والضغوط الاقتصادية والمواجهة السياسية، تواجه الحكومة الفرنسية تحديًا مزدوجًا يتمثل في احتواء الغضب الشعبي ومحاسبة المتورطين في أعمال التخريب، مع العمل على معالجة الأسباب المعيشية والخدمية التي أسهمت في اتساع رقعة الاحتجاجات.

زر الذهاب إلى الأعلى