وثائقي “نازا” يعرّي “خوارزميات الموت” الصهيونية وسط تقاعس إعلامي وحقوقي

بقلم: معتصم صلاح

بألسنة قَتلتهم الصريحة، ومن قلب غرف استخباراتهم المظلمة المشبعة بالحقد والبلادة، انطلقت الحقيقة المدوية لتزلزل الساحة الدولية. لم يكن الفيلم الوثائقي البريطاني البريطاني المزلزل “نازا” الحائز على جائزة التحكيم الخاصة الحائز في مهرجان البندقية السينمائي الدولي الدورة 83 – مجرد شريط سينمائي عابر، بل هو صك إدانة جنائي تاريخي صاغته صحيفة الغارديان البريطانية بشركائها الاستقصائيين من اعترافات حية وسرية لـ 24 ضابطاً وعنصراً من مخابرات وجيش الاحتلال.
اعترف هؤلاء بدم بارد وبلادة تكنولوجية مطلقة بأنهم كانوا يتنصتون عبر منظومات التجسس على هواتف عائلات غزة، ويستمعون بأذانهم لاشتياق الأطفال الصغار وبراءتهم وهم ينتظرون عودة آبائهم للقائهم، ثم يُمعنون في إصدار أوامر القصف فور اكتمال الشمل العائلي لتباد الأسر عن بكرة أبيها، محولين براءة الطفولة إلى أرقام جافة و”أضرار جانبية مسموح بها” عسكرياً تحت المسمى البيروقراطي الصهيوني الحرفي “نازا” عبر منظومات الموت الرقمي الممنهج (مثل لافندر وحبسورا) .
إن التكنولوجيا الصهيونية المتمثلة في منظومات “لافندر” و”حبسورا” تحولت في قطاع غزة إلى نسخة رقمية حديثة من غرف الغاز وأفران النازية؛ فإذا كانت الفاشية الهتلرية في القرن الماضي قد استخدمت أدوات بدائية لإبادة البشر بناءً على تصنيفات عرقية، فإن الكيان الصهيوني اليوم يعيد إنتاج ذات المحرقة وبذات الوحشية، ولكن عبر خوارزميات صماء وجافة مجردة من أي ملمح إنساني، حيث يضغط القاتل على الزناد وعيناه مسمرتان على الشاشة بدم بارد .
ولكن، أمام هذا الزلزال الذي أصاب الكيان الصهيوني بالهستيريا ودفع مجرم الابادة بنيامين نتنياهو لاتهام المخرجين يوفال أبراهام وراحيل تسور بالخيانة العظمى
نقف اليوم بكل أسى أمام مفارقة تدمي القلوب وتثير غصة حارقة في حلق كل حر .. مفارقة الصمت المطبق والتخاذل الغريب الذي يلف المشهد العربي والفلسطيني المؤسساتي على حد سواء.
أين أنتم يا فرسان الكلمة الحرّة في الاتحاد العام للصحفيين العرب ونقابة الصحفيين الفلسطينيين؟ كيف تمرون على اعتراف القاتل الموثق بذبح الأطفال بدم بارد مرور الكرام دون انتفاضة إعلامية حقيقية؟ إن الكلمة اليوم في خندق الأمة هي رصاصة، والتقاعس عن تشكيل لجان ترجمة فورية واستباقية لتفريغ ونقل هذه الاعترافات إلى لغات العالم قبل البث الرقمي المجاني للفيلم المقرر في نهاية نوفمبر المقبل بالتعاون مع “الغارديان”، هو تخاذل معلن لآهات الضحايا.
وإلى حماة الحق والعدالة في اتحاد المحامين العرب ونقابات المحامين؛ أين غرف عملياتكم القانونية الطارئة لتفكيك هذه الاعترافات وصياغتها كمستندات جنائية تلاحق القتلة في أروقة المحاكم الدولية؟
دماء غزة التي تصرخ من تحت الركام تستصرخ فيكم روح العروبة ، فلتكن أقلامكم سيوفاً قاطعة ولا ترتضوا بدور المتفرج البليد في معركة الشرف والوجود.
وهنا ينكأ الجرح الفلسطيني النازف عمقاً أخر، حين نلتفت إلى الفصائل والقوى الفلسطينية بمختلف ألوانها، لنراها غارقة حتى آذانها في روتينها الموسمي المعتاد؛ مستهلكة قواها في دهاليز “لقاءات الحوار الوطني” العبثية، ومنشغلة في مناكفات المحاصصة وصراعات كواليس إجراء الانتخابات أو تأجيلها.
إن هذا الانكفاء الفصائلي الفج، والناس تُباد في غزة على مرأى ومسمع من المنظومات الرقمية الصهيونية، يعيد إلى الأذهان وبصورة تراجيدية مشهد حصار القسطنطينية التاريخي؛ حين دكت المدافع أسوار المدينة العريقة بينما انزوى قادتها ونخبتها اللاهوتية في غرفهم الضيقة غارقين في جدالهم البيزنطي العقيم حول “جنس الملائكة” أكانوا ذكوراً أم إناثاً! هكذا تبدو الفصائل اليوم، تتجادل على جنس الملائكة السياسية وشروط المحاصصة وجداول الانتخابات الافتراضية، بينما يدك جيش الاحتلال ما تبقى من معالم الحياة والوجود الإنساني فوق رؤوس أهلنا، متجاهلين أن هذا الفلم الوثائقي العالمي يقدم لهم فرصة ذهبية لتوحيد جبهتهم وسَوّق عدوهم إلى مقصلة الرأي العام والعدالة الدولية لو استثمروا زخمه بشكل جمعي وثوري.
أما العتب الأكبر والأشد إيلاماً، فهو الموجه بمرارة إلى قيادة منظمة التحرير الفلسطينية بلجانها المتنوعة والدوائر الإعلامية والثقافية التابعة لها، وإلى السلطة الفلسطينية بدبلوماسيتها المترهلة. كيف يعقل أن يقدم لكم مخرجون أجانب وثيقة إدانة تاريخية كُتبت بأيدي المخابرات الصهيونية ونُفذت في غرف عملياتهم لتبيد شعبكم، وتستمرون أنتم في التمترس خلف جدران البيروقراطية التقليدية وبيانات الشجب الباردة دون تبني رسمي حازم لهذا العمل؟
إن هذا التقاعس يمثل هجراً وتفريطاً مجانياً بسلاح معنوي وحقوقي فتاك، لو ملكه عدوكم لملأ به الأرض ضجيجاً وصراخاً “هولوكوستياً”، ولجعل منه مأساة العصر المقيمة. إن الكيان الصهيوني الذي برع عبر تاريخه في انتهاز الفرص، واجترار مآسي الماضي، وابتزاز العالم بزيف “معاداة السامية” لحجب الرؤية عن فظائعه، يجد اليوم من القيادة الرسمية والفصائل صمتاً مهيناً وتخاذلاً يحرم الضحية الفلسطينية من إشهار هذه الاعترافات الإسرائيلية الدامغة التي تصفع سردية الابتزاز الصهيونية في مقتل وتكشف الوجه الحقيقي للمحرقة الجديدة في غزة.
لم يعد هناك متسع للبيانات الإنشائية ولا للتقاعس؛ فالأيام تمضي والفيلم قادم مجاناً رقمياً للعالم في نهاية نوفمبر.
نطالب المنظمة والسلطة، وكافة الفصائل والنقابات الإعلامية والقانونية، بالاستيقاظ من سكرتها والانتقال فوراً ومن الآن إلى مربع الفعل المبادر والخطوات العملية؛ لتتحول شهادات الفيلم إلى صرخة حق هادرة تزلزل عروش الطغاة وتطارد القتلة الصهاينة حتى ينال الشعب الفلسطيني حريته الكاملة من النهر إلى البحر.

زر الذهاب إلى الأعلى