من سطح لسطح في حيفا…
بقلم: ناديا سعادة*
كانت خالتي ” راوية” حامل في الشهر السادس، وحين كسر القادم من وراء البحر مجدافه على باب دارهم.
أمسك زوجها فوّاز يدها بقوة، وصعدا معا سطح بيتهما، وكان متصلا بدرج قصير بسطح بيت آخر، و صلا آخر الحي.
كان الدم قد غمس ثوبها بقعا تناثرت على الأسطح، التي صارت في لحظات غيمات، و انتقلت بخطواتهما خارج حيفا.
جلس فواز يبكي ، كان ينتظر طفلهما بفارغ الصبر، ولكن ضاع الانتظار، و بدأ انتظار آخر….
ركبا قاربا قيل أنه ذاهب بهما إلى مسقط رأسهما في غزة، هنا بالذات انقلبت الحكاية، فقد سمعت بالمهاجرين من فلسطين المحتلة سنة ١٩٤٨ لغزة، لكن هنا كان فواز يشتغل بالتجارة وحدث ما حدث….
فجأة تحرك القارب لقدر غريب آخر، ليجد نفسه، وزوجته في جزيرة مالطا ، و ظلت ” راوية” تبكي حتى شعرت بغبش شبه دائم بعينيها، و كأنها بدأت تعاني مضاعفات النزيف والتعب والتوتر الدائم، وفي تلك الرحلة القسرية من حيفا لغزة.
على أي حال تمّ ترحيل الفلسطينين من مالطا لمصر، لمخيم السويس، وكان ذلك السجن الجديد قصة أخرى…
حين جلسا في مخيم السويس، كانت رمال الصحراء تنفث ذلك السحاب المنخفض، الرتابة و الهم و الترقب.
كان الناس القادمين عبر غزة إلى هنا، يأملون بالخروج من ” الجيتو” الجديد، بلا فائدة.
حتى أنّ امرأتين فقدن عقولهن، بعد مشاهدتهما لطفليهما يغرقان في البحر قبل وصولهما هنا.
كانتا تقفان على حدود المخيم، كلما خرج أو دخل جندي يلطمان، ويصرخان بصوت مخنوق…. ” كشيلها فلسطين”
حاول بعض الأقارب سحبهما من سجنهما، للإقامة في مدينة القاهرة، وفشلت كل المحاولات.
كانت الأشهر هنا لئيمة، محاطة بعدة حدود، و بلا معنى، صغار يموتون بالأمراض السارية، وبعض النساء تتردد بين فقدان الذاكرة، أو البصر…
ظروف قاسية، وحرب يومية مع الإقامة الجبرية في المخيم.
استيقظ على صوتها تبكي …
_ ما لك يا بنت!
وأشارت لبطنها، و أخبرته… ذهب ابننا!
لم يأتي ليذهب، وهي رحلة أخرى، والسلامة!
كان جوابه شاعريا، وهي تكره المجاز، و تكره تسمية الأشياء بغير اسمها… أصلا هي امرأة لا تقرأ، ولا تفهم معنى لوجود كتاب في مخيم يختنق به الناس، ويمضي الوقت بطيئا راهبا، بلا رحمة…
كانت غزة تحترق في ذلك الصيف، و بدأت رحلة الثوار عبر المغر، وكانت خنادق العسكر تنتظر.
تغير الحال، وبعد ازدحام غزة بأعداد إضافية من الناس القادمين من كل جزء في شمال فلسطين، وبعض الوسط من محيط القدس بالذات وبعض أجزاء عسقلان والرملة واللد.
_ نسافر للسعودية!
كانت جدة محطة أخرى لفواز، و عمل فيها بتجارة ازدهرت، بسبب فطنته، و رحابة صدره مع السعوديين وغيرهم.
و بدأت زوجته ترتاح بسبب استقرار هما بلا حرب أو نكبات.
كانت صواريخ النكسة على أبواب البلاد، وكان الناس يستمعون لنشرات الأخبار التي تنقل صيحات الهزيمة.
وُلدت أنا… لأكون البنت الثانية لتلك العائلة الفلسطينية، وبفارق عشر سنوات عن أختي الكبيرة “رضية”…
هي ولدت في مكان آخر، ربما مخيم السويس، أو غزة فيما تلا من ترحال، لا أذكر.
بعد كل هذه السنوات القاسية، لم يتغير شيء، ولم أر غزة، و أحلم… فقط أحلم… أن أعود ومن سطح بيتي هنا لسطح بيتهم هناك في حيفا، و أشمّ رائحة المنثور الليلي، وأقطف شيئا منه لأمي وأبي، و أخبرهما… كان كابوسا ومضى…
نحن الآن هنا…
دمتم بخير
*حقوقية وكاتبة





