ما أهمية المجلس على المستوى الاقتصادي؟ وكيف سينعكس ذلك على اقتصاد البلدين؟

الدكتور محمد ابو حمور
مجلس التنسيق الأعلى الأردني–السوري لم يأتِ من فراغ، بل بُني على مسار بدأ بالاتفاق على تأسيسه في نيسان 2025، ثم توقيع مذكرة إنشائه في أيار 2025، ثم عقد دورته الأولى في دمشق، وصولاً إلى دورته الثانية في عمّان اليوم بمشاركة واسعة من القطاعات الوزارية، أي أن البلدين انتقلا من مرحلة التواصل السياسي العام إلى مرحلة تنسيق المصالح الاقتصادية القطاعية، وانعقاد المجلس في عمّان يحمل دلالات تتجاوز البعد السياسي والدبلوماسي، ليؤكد أن العلاقة بين البلدين دخلت مرحلة أكثر تنظيماً ووضوحاً على المستوى الاقتصادي، ما يعني تحويل التفاهمات بين الجانبين إلى برامج تعاون قابلة للتنفيذ، وهو ما يمنحه أهمية خاصة في هذه المرحلة التي تشهد فيها المنطقة إعادة ترتيب للمصالح الاقتصادية وشبكات النقل والتبادل.
تكمن الأهمية الاقتصادية لهذا المجلس في أنه يؤسس لمرحلة جديدة من التعاون المؤسسي بين الأردن وسوريا، بعيداً عن الطابع الشخصي أو المحدود للعلاقات الثنائية، فوجود مجلس أعلى للتنسيق يعني اجتماعات منتظمة، وأجندة واضحة، ومتابعة مباشرة للملفات ذات الأولوية، الأمر الذي يعزز فرص الانتقال من مجرد الرغبة في التعاون إلى تنفيذ مشاريع وخطوات عملية على الأرض، وهذا مهم للأردن كما هو مهم لسوريا، لأن البلدين يرتبطان بجوار جغرافي ومصالح متداخلة تجعل أي تقدم في التعاون الثنائي ذا أثر مباشر على الاقتصادين معاً.
فالنسبة للأردن، يمثل المجلس فرصة لتعزيز الصادرات الوطنية إلى السوق السورية، وتوسيع حضور المنتجات الأردنية في مرحلة تتزايد فيها الحاجة إلى السلع والخدمات المرتبطة بإعادة تنشيط الاقتصاد السوري، كما يعزز المجلس من فرص استعادة الأردن لدوره كمركز لوجستي وتجاري مهم في حركة العبور والنقل البري نحو سوريا، ومنها إلى أسواق أخرى في الإقليم، وهذا يعني تنشيط قطاعات النقل والشحن والتخليص والخدمات المساندة، وهي قطاعات قادرة على توليد قيمة مضافة وفرص عمل وإيرادات إضافية للاقتصاد الأردني.
أما بالنسبة لسوريا، فإن تطوير التعاون مع الأردن يوفر لها منفذاً اقتصادياً وتجارياً مهماً، سواء من خلال تسهيل حركة البضائع أو الاستفادة من موقع الأردن كبوابة نحو الخليج وميناء العقبة وشبكات النقل الإقليمية، كما أن التعاون في ملفات الطاقة والمياه والنقل يحمل أهمية خاصة للاقتصاد السوري، لأنه يفتح المجال أمام تخفيف بعض الاختناقات الخدمية واللوجستية، ويدعم جهود إعادة البناء والتعافي التدريجي في عدد من القطاعات الحيوية.
الانعكاسات المتوقعة لهذا المسار لا تقتصر على زيادة التبادل التجاري فقط، بل تمتد إلى خفض كلف النقل وتحسين انسياب السلع ورفع كفاءة سلاسل التوريد بين البلدين، كما أن توسيع التنسيق في مجالات الطاقة، والربط الكهربائي، والمياه، والموانئ، والربط السككي، يمكن أن يمنح العلاقة الاقتصادية بعداً استراتيجياً أعمق، بحيث لا تبقى محصورة في التجارة التقليدية، بل تتحول إلى شراكة تنموية أوسع تخدم المصالح بعيدة المدى للبلدين.
وخلال السنوات الأخيرة، شهدت العلاقات الاقتصادية بين الأردن وسوريا مؤشرات واضحة على التعافي التدريجي، سواء من خلال نمو التبادل التجاري، أو عودة الزخم إلى ملفات النقل والطاقة، أو الاهتمام المشترك بإعادة تفعيل قنوات التعاون الرسمية، ويأتي مجلس التنسيق الأعلى اليوم ليمنح هذا المسار إطاراً أكثر رسوخاً، بما يسمح بالبناء على ما تحقق وتوسيعه في اتجاهات أكثر شمولاً.
ونستطيع القول إن مجلس التنسيق الأردني–السوري يمثل خطوة اقتصادية مهمة في توقيت حساس، لأنه يعكس إدراكاً متبادلاً بأن مصلحة البلدين تكمن في توسيع التعاون واستثمار الجوار الجغرافي في خدمة النمو والاستقرار، وإذا ما نجح الطرفان في ترجمة مخرجات هذا المجلس إلى إجراءات عملية ومشاريع ملموسة، فإن ذلك سيشكل مكسباً اقتصادياً حقيقياً للأردن وسوريا معاً، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة من العلاقات تقوم على المصالح المشتركة والتنمية المتبادلة.





