عفو عام! ما هي المبررات؟

عصام قضماني
لم يمض وقت على صدور عفو عام حتى انطلقت دعوات جديدة من داخل مجلس النواب ومن خارجه لاصدار عفو عام ثان، فما هي الدوافع وهل هناك ما يدعو لذلك؟!
الداعون لعفو عام آخر لديهم مبررات ودوافع وهي من حقهم، فهم يأخذون فيما يدعون اليه الضائقة الاقتصادية والظروف وغيرها من الأسباب، لكن هل في الجهة الأخرى هناك من يرى أن مواجهة هذه الظروف هي في تفكيك اسبابها وهذا هو بالضبط ما فعلته هذه الحكومة منذ اليوم الأول لتسلمها مهامها.
العفو العام يذهب في شقين الأول اقتصادي اما الثاني فهو قانوني يتعلق بجرائم محددة ارتكبت، اما الأول فقد اتخذت هذه الحكومة من الإجراءات ما يفوق العفو العام بشقه الاقتصادي اما الثاني فقد ثبت كما في كل عفو يصدر ان الردع ومنح الفرص لا يبلغ أهدافه لان عدداً كبيراً ممن افرج عنهم بموجب العفو سرعان ما يرتكبون جرائم أخرى تعود بهم إلى السجون.
الحكومة التي اتخذت من الإجراءات ما يكفي للتخفيف من الأعباء الاقتصادية ليس في نيتها الاستجابة لمطالبات إصدار عفو عام جديد ليس الآن ولا في المديين المتوسط والأطول، ويجدر بالداعين لمثل هذا العفو مساندة الحكومة في اجراءاتها ذات البعد الاقتصادي للتخفيف من اثر الظروف الاقتصادية والبحث عن افكار تسهم في تنشيط الاقتصاد وتحفيز النمو والتنمية.
نفهم ان معظم دعوات العفو العام في اسبابها اجتماعية تهدف إلى التخفيف من معاناة كثير من المخطئين وعائلاتهم بمنحهم فرصة جديدة لبدء حياة طبيعية، لكننا نفهم ايضاً ان كثيراً من هذه الدعوات ذات غياب ودوافع شعبوية.
هذه الحكومة ومنذ تسلمها مهامها اتخذت قرارات مهمة ذات اثر اقتصادي لكن اثرها الاجتماعي اكبر.
هذا ما كنا ندعو اليه بان الظروف والضغوط الاقتصادية وسببها أحداث الاقليم والحرب الاسرائيلية على غزة والضفة تحتاج الى خطوات من شأنها التخفيف من هذه الضغوط قدر الامكان.
صحيح ان هذه القرارات تبدو من وجهة نظر كثير من المعلقين بسيطة لكنها تكاد ترقى إلى مستوى العفو العام واثرها الاقتصادي والاجتماعي على مستوى الافراد والشركات وصغار التجار والصناعيين وحتى كبارهم كبير اذ تمنحهم قدرا من التفاؤل فما بالك لو ان امكانات الحكومة اوسع فكيف ستكون هذه القرارات حجماً واثراً.
قلنا في وقت سابق ان الحكومة ليست خصما للناس بل هي منهم واعضاؤها ورئيسها هم من فئاته ويمثلون سرائره ولم يأتوا من كوكب آخر وان اتيح لهم فعل اكثر من ذلك سيفعلون لكن الامكانات المحدودة وظروف الموازنة بايراداتها ونفقاتها تجعل من الطموح محدودا.
والقرارات التي اشرنا اليها هي فك قضايا الجمارك العالقة وتوسيع واعفاء قضايا تتعلق بضريبة الدخل والمبيعات واخيراً منح اعفاءات كبيرة لاصحاب المركبات غير المرخصة ولسنوات لتصويب اوضاعهم، وغير ذلك من التسهيلات.
عدا ذلك ليس هناك ظروف ولا مبررات تستدعي إصدار عفو عام جديد، وإذا كان القصد من ذلك هو مساعدة أشخاص طبيعيين تعثروا من غير نوايا لارتكاب جرائم مالية او غيرها فهذه الحكومة سرعت من تطبيق العقوبات المجتمعية البديلة عن العقوبات السالبة للحرية التي تراعي ظروف وطبيعة المخالفات والجرائم والأشخاص المتورطين فيها وفيها فرص كثيرة لخدمة المجتمع وتصويب اوضاع هؤلاء الأشخاص ومنحهم فرصا لمسارات طبيعية.
بات معروفا أن الحكومة تنسق في هذا المجال مع المجلس القضائي بما يسهم في تشكيل قناعات لدى القضاة في تطبيق العقوبات البديلة وفقا لقناعاتهم وتقديرا لطبيعة وظروف القضايا المنظورة.
هناك اليوم خيارات وبدائل كثيرة للعفو العام الذي لم يعد معمولا به في زمن تشتد فيه المطالبات بتكريس سيادة القانون وحفظ الحقوق والعدالة التي يعرفها قانون العفو العام عندما يأخذ ما لا يستحق ممن لا يستحق على حساب اصحاب الحقوق.
الرأي