سمات نادرة يكتسبها من مرّوا بتجارب قاسية في طفولتهم

نزار جبارة
هل سبق لك أن شعرت بأنك تقرأ مشاعر الناس قبل أن يتكلموا؟
أن تلاحظ تغيّر نبرة الصوت، أو صمتًا غير مريح، أو توترًا خفيًا لا يراه أحد غيرك؟
قد لا يكون هذا مجرد إحساس عابر، بل نتيجة لطفولة صعبة شكّلت عقلك وجهازك العصبي بطرق لا يدركها كثيرون.
في هذا المقال، نستعرض خمس سمات نادرة تظهر غالبًا لدى الأشخاص الذين مرّوا بتجارب قاسية في طفولتهم، مع شرح الأسباب النفسية العميقة وراء كل سمة، ولماذا لم تكن هذه السمات ضعفًا يومًا ما، بل كانت وسائل للبقاء.
أولًا: استشعار التغيرات العاطفية فورًا
يمتلك هؤلاء الأشخاص قدرة عالية على قراءة أجواء المكان، وتعبيرات الوجه الدقيقة، وتغيرات نبرة الصوت. أحيانًا يشعرون بالتوتر قبل أن يحدث أي شيء فعليًا، فقد تدخل غرفة وتدرك فورًا أن هناك أمرًا غير مريح، حتى لو كان الجميع يبتسم.
التفسير النفسي:
يطلق علماء النفس على هذه الحالة اسم اليقظة المفرطة. في بيئة الطفولة غير الآمنة، يتعلم الدماغ أن المراقبة المستمرة ليست خيارًا بل ضرورة. الطفل لا يملك رفاهية التجاهل، فيصبح الانتباه للتغيرات العاطفية وسيلة لحماية نفسه من الخطر أو الانفجار المفاجئ. ومع مرور الوقت، تتحول هذه القدرة إلى مهارة استثنائية، لكنها قد تكون مرهقة نفسيًا.
ثانيًا: الشعور المفرط بالمسؤولية تجاه مشاعر الآخرين
يشعر من عانوا طفولة صعبة بحاجة عميقة للحفاظ على هدوء وسعادة من حولهم. قد يحملون أنفسهم ذنب حزن الآخرين، ويشعرون بعدم الارتياح إذا كان شخص قريب منهم منزعجًا. كثيرًا ما يسألون أنفسهم:
هل قلت شيئًا أزعجه؟ هل كان يجب أن أتصرف بشكل مختلف؟
التفسير النفسي:
يرتبط هذا السلوك بما يُعرف بـ تبادل الأدوار العاطفية في الطفولة، حيث يتعلم الطفل أن يكون هو المهدّئ والعاقل والداعم العاطفي، بدلًا من أن يكون هو من يتلقى الدعم.
ثالثًا: صعوبة الاسترخاء دون الشعور بعدم الأمان
قد يبدو الهدوء بالنسبة لهؤلاء أمرًا غريبًا أو مؤقتًا. فعندما تسير الأمور بسلاسة، يظهر توتر داخلي غير مبرر، وكأن العقل يهمس: “هذا الهدوء لن يدوم”.
التفسير النفسي:
عندما تكون الفوضى وعدم الاستقرار هما النمط السائد في الطفولة، يُبرمج الجهاز العصبي على البقاء في حالة تأهب دائم. لذلك، يشعر البعض بالقلق في لحظات السعادة، لا لأنهم لا يستحقونها، بل لأن أجسادهم لم تتعلم بعد كيف تثق بالأمان.
رابعًا: الاستقلالية المفرطة
نادراً ما يطلب هؤلاء الأشخاص المساعدة، ويفضلون حل مشاكلهم وحدهم حتى لو كان ذلك مرهقًا. وقد يشعرون بعدم الارتياح أو بالضعف عند الاعتماد على الآخرين.
التفسير النفسي:
العقل تعلّم درسًا مبكرًا مفاده أن لا أحد سيبقى دائمًا. لذلك تطورت هذه الاستقلالية كدرع حماية، وليست مجرد سمة شخصية، بل محاولة لا واعية لتجنب خيبة الأمل والإحساس القديم بالخذلان.
خامسًا: التعاطف العميق مع إخفاء الألم الشخصي
لديهم قدرة مذهلة على فهم معاناة الآخرين، ويقدمون الدعم دون أحكام، ويعرفون تمامًا ما يقولونه في اللحظات الصعبة. لكنهم نادرًا ما يتحدثون عن ألمهم الخاص.
التفسير النفسي:
في الطفولة، قد تكون مشاعرهم قوبلت بالإهمال، أو قيل لهم: “لا تبالغ” أو “أنت تشتكي كثيرًا”. نتيجة لذلك، تعلموا كتمان الألم وحمل الأعباء بصمت، بينما يوزعون القوة على الآخرين.
الخلاصة
هذه السمات ليست عيوبًا في شخصيتك، بل آليات بقاء ذكية طوّرها عقلك في وقت لم يكن فيه الأمان متاحًا. نعم، قد تمنحك هذه التجارب ذكاءً عاطفيًا ومرونة نفسية وقدرة عميقة على الفهم، لكن تذكّر:
لست مضطرًا أن تبقى قويًا إلى الأبد.
لقد نجوت… والآن تستحق الأمان، والراحة، والتعافي.
زر الذهاب إلى الأعلى