داعش لن تموت
الشكل التنظيمي لداعش الإرهابية، آخذ في الأفول، فالدولة المزعومة تعود أراضيها المترامية الأطراف في العراق وسوريا، إلى أحضان دولها شيئا فشيئا، فما تبقى من فرع الدولة في العراق لا يذكر بعد أن أنجز الجيش العراقي وحلفاؤه نسبة كبيرة من مهمة التحرير في الموصل.
وكذا الحال في سوريا، حيث يخوض عناصر التنظيم المسلح معركة “المتر الأخير” في الرقة ودير الزور، وليس الوقت بعيدا لإعلان الولايات المتحدة الأمريكية تحديدا وحلفائها الأكراد خلو الرقة ودير الزور من مسلحي التنظيم الإرهابي.
غير أن هذا لا يعني انتهاء الإرهاب، بل سيظل “البعبع” الذي يرتعد منه الجميع، ذلك أنه وإن كان الشكل التنظيمي لداعش سينتهي أو يتراجع أثره كما تراجع أثر القاعدة من قبلها، فإن الفكر سيظل موجودا وسيظل أتباعه قادرين على استحداث ساحات جديدة لإرهابهم، سواء أكانت تلك الساحات في العراق وسوريا، أو في ساحات أخرى مثل سيناء وليبيا أو الفلبين أو أفريقيا السوداء أو غيرها.
داعش، ومن قبلها القاعدة وبوكو حرام والنصرة وجماعة أبو سياف وولاية سيناء وجماعة الهجرة والتوحيد وغير ذلك الكثير من المسميات، هي تنظيمات إرهابية تنبع من فكر واحد، ما يعني أن لنا أن نتوقع صعود نجم أي منها في مكان ما وبمسمى جديد، ما دام أن هناك من يستفيد من أصحاب هذا الفكر وقادر على تحريكهم باتجاه العمل نحو أي من الساحات التي تقع عليها عيون الطامعين.
فداعش، نمت كالفطر في وقت قياسي، وهو ما جعلها موضع التشكيك فيمن وراءها وفيمن دعمها وسهل لها مهماتها في التسليح والتنظيم والتمويل، وبالتالي في التخريب وعبور الحدود لتشكل ذلك “البعبع” الكبير، حالها في ذلك كحال القاعدة من قبلها.
بيد أنه ثمة سؤال طُرح وما زال عن الكيفية التي احتل فيها إرهابيو داعش الموصل العراقية؛ فالعالم استيقظ وقد أحكم الإرهابيون سيطرتهم على المدينة بكافة مرافقها دون أية مقاومة تذكر.
وما هو إلا وقت قصير حتى انتشروا كالجراد في الموصل والأنبار ومن ثم في الرقة ودير الزور وبادية الشام وحلب مرورا بأطراف دمشق إلى الحدود الجنوبية لسوريا.
هل يصدق أحد أنه لم يكن هناك قوى تقف خلف داعش، أو أن هناك من كان يخطط لهم ليكونوا على ما أصبحوا عليه؟.
ندرك تماما أن لا قوة في العالم قادرة على استحداث أو صنع فكر جديد وأن لا قوة قادرة على خلق أتباع ومناصرين لذلك الفكر ومستعدين للموت من أجله، بل إن القناعة لدينا أن الفكر موجود وهناك من يستغل أصحاب هذه الأفكار المتطرفة والإرهابية ويعمل على تكبيرهم وتضخيمهم ليكونوا “بعبعا” يستغل وجودهم ويتاجر في خطرهم كما هو الحال مع داعش.
فداعش، نبتة لفكر موجود، ما يعني أن خطرها لم ولن ينتهي حتى لو انتهى وجودها التنظيمي ومسماها التقليدي، ذلك أن الحرب على الإرهاب ليست شاملة، بل هي قاصرة باقتصارها على الجانب العسكري والأمني فقط، دون أن تتطور لتصل إلى مرحلة المعالجات الفكرية المضادة والجادة.
الإرهاب ذو الخلفية الدينية سيظل قائما، وذلك ليس مقتصرا على الجماعات السنية بل والشيعية أيضا، ما دام أن هناك فكر ينهل منه المتطرفون ويصبغون عليه الشرعية الدينية، وما دام أن القائمين على الفكر المعتدل والوسطي ما زالوا عاجزين عن إيجاد آليات وبرامج دينية وثقافية ومجتمعية قادرة على تعرية ذلك الفكر وهداية الملتحقين به إلى جادة الصواب، وما دام أن هناك من سيظل مستفيدا من أصحاب هذا الفكر لدعمهم متى شاء وإنهاء وجودهم واستبدالهم بآخرين متى أراد.





