لحظة الأردن التاريخية

التفاصيل كثيرة ومتشعبة، وكذلك الأسئلة عن الحصة المتوقعة لهذا الطرف أو ذاك في البرلمان المقبل، وعلاقة الدولة بحركات الإسلام السياسي على تنوعها، ومسار العملية الانتخابية، و”كولسات” القوائم قيد التشكيل.
ربما تكون كل هذه القضايا جديرة بالتأمل والتحليل. لكن في هذه اللحظة، الأهمية هي للصورة الكلية.
إننا إزاء لحظة أردنية تاريخية، تستحق أن تؤرخ بوصفها لحظة انتصار الدولة؛ مؤسسات رسمية وأحزاب، وقبل ذلك قوى اجتماعية. انتصار منطق العقل على الجهل، والحكمة على التهور، والقانون على الفوضى. لحظة تماثل زمن الميثاق الوطني قبل أكثر من ربع قرن.
أول من أمس، أعلن حزبا جبهة العمل الإسلامي والوسط الإسلامي قرارهما المشاركة في الانتخابات النيابية. وسبقهما إعلانات متتالية من جميع القوى الحزبية؛ يسارية وقومية ووسطية.
لم يعد هناك طرف خارج اللعبة وقوانينها. وليس بمقدور أحد أن يفرض بعد اليوم شروطه خارج دائرة المنافسة المقرة من الجميع.
ثمة حقيقتان تتبديان بوضوح؛ الأولى تخص الدولة التي أيقنت أن المضي في عملية الإصلاح يقوي الدولة ولا يقوضها كما توهم البعض. والثانية، تعني طيفا من القوى والشخصيات السياسية، وجوهرها أن لا مجال أبدا لفرض شروط اللعبة بالقوة، ومن طرف واحد.
الحقيقتان كانتا خلاصة سنوات القطيعة، وموجات التغيير والفوضى التي ضربت المنطقة العربية. الشعارات العالية التي اخترقت السقوف، عادت لتلامس سطح الواقع، فأيقظت الحالمين بدولة تتشكل على هواهم، ليدركوا صعوبة المنال، لا بل استحالته.
والدولة لم يعد بوسعها أن تمضي من دون اكتراث بالمتغيرات الهائلة داخلها ومن حولها. بعد سنوات من الشك والتردد، أصبحت أكثر ثقة بنفسها، فاختارت التقدم خطوات إلى الأمام. وليس سرا أن التيار العريض من الداعين للإصلاح كانوا حتى اللحظة الأخيرة يشككون بإرادة الدولة في تغيير قانون الانتخاب ومغادرة مربع “الصوت الواحد”.
ولا يخفى أيضا أن أوساطا في الدولة ظلت على قناعة بأن الإسلاميين لن يعودوا مرة ثانية لملعب السياسة.
من الناحية العملية، الأردن يعود اليوم إلى ما قبل العام 2010، وكأن السنوات الست الماضية لم تكن؛ ليس بمعايير الزمن، وإنما بمفهوم السياسة؛ فقد تجاوزنا حالة الشطط في الشعارات والطموحات، والمحاولات المتبادلة لكسر الإرادة وإقصاء الآخر.
بالمعنى السياسي أيضا؛ الأردن يتصالح مع نفسه. واستعادة هذه اللحظة ترتب مسؤوليات ثقيلة على الجميع. ينبغي أن لا نسمح أبدا بالعودة إلى سنوات القطيعة والانقسام. وذلك يقتضي من جميع الأطراف التسليم بالحقائق وعدم تجاوزها؛ وأولها الدولة بدستورها وعرشها ورموزها ومكانتها وهيبتها، ومؤسساتها؛ فهي للجميع.
ما من قوة حزبية أو سياسية تخشاها الدولة، وشعور كهذا ينبغي أن يزول نهائيا، ولتُمنح الفرصة للجميع ليكونوا شركاء في صناعة القرار وتحمل المسؤوليات الجسام.
لتكن هذه اللحظة انعطافة كاملة في مسيرتنا، تأخذنا على طريق بناء الأردن كما نطمح، ولنضع الماضي المثقل بالمخاوف والشكوك خلف ظهورنا.
لقد تعلمنا جميعا دروس العاصفة، وقد نجونا؛ فلا مبرر أبدا للاستقواء على أي طرف. ولا جدوى من المحاولة مرة أخرى للانقلاب على الدولة ودستورها، فقد طوى الزمن ذلك الكابوس.

زر الذهاب إلى الأعلى