صناعة الخرّوب!

-1-

قضيت وقتا لا بأس به وأنا أعد نفسي لكتابة هذا المقال، باحثا عن اسم فيلم أجنبي طريف، يقوم على فكرة عبقرية ذات دلالة فلسفية عميقة، وللأسف فقد نسيت اسم الفيلم، لكن قصته لم تزل عالقة في ذهني، وهي باختصار شديد تتحدث عن حياة شاب منذ ولد يعيش فيما يشبه الاستوديو، حيث ثمة مخرج ومصورون، وديكورات، يسجلون كل ما يجري في حياة الفتى حتى بلوغه سن الشباب، حيث يكتشف ان كل ما مر به من أحداث منذ ولادته لم يكن غير سيناريو وممثلين وديكورات، حتى والديه لم يكونا والديه، باختصار، يقول الفيلم أن كل ما نراه ونعيشه ليس حقيقيا، بل هو مجرد تمثيل ووهم، وسيناريوهات معدة مسبقا!

-2-

الفكرة من حيث المبدأ مرعبة، فيما كنا فعلا نعيش في حياة افتراضية، ونحن فيها ممثلون في استوديو كبير، وكل من حولنا مجرد ممثلين، وكل ما نراه مجرد ديكور، والحقيقة أن حياتنا ليست بعيدة عن فكرة الفيلم، فثمة ما يقل عن واحد في المائة من سكان هذا العالم، هم من يقودون الكرة الأرضية ومن عليها، ومن يصنعون مصيرها، أما التسعة وتسعين في المائة، فهم مجرد كمبارس في فيلم الرعب هذا، قد تكون هذه الفكرة شديدة التطرف ومبالغا فيها، لكنها ليست خيالية، أو خالية من الحقيقة، خذوا مثلا تصريحات ونشاطات الساسة وقادة العالم ومشاهيره الذين نهتم بنشرها نحن الصحفيين، إن كل ما ننشره هو عبارة عن «خروب» والخروب كما هو معلوم: قنطار من الخشب ودرهم من الحلاوة، والحلاوة هنا هي حجم الحقيقة فيما ننشره، أما الخشب، فهو «مكملات» وإضافات لا لزوم لها، إلا أن تخفي درهم الحلاوة!

-3-

حجم الكذب في حياتنا الخاصة والعامة على حد سواء يستعصي رصده على كل أجهزة كشف الكذب التي صنعها الإنسان حتى الآن، ولو تسنى للجمهور أن يعرف فعلا حقيقة المشهد الذي يحيا داخله لأصيب بالجنون، شأنه شأن بطل الفيلم إياه، يكفي أن تقرأ ما كتبه الفيلسوف نعوم تشومسكي عن الاستراتيجيات العشرة التي يعتمدها الاعلام للسيطرة على عقول الجمهور، لتعلم أي وهم تحسبه واقعا، فـ «ليس كل ما يُقال تصدقه، ولا يمكن النظر إليه على أنه يمثل الحقيقة الكاملة، فالـواحد في المائة إياهم، يُخفون أجنداتهم وخطتهم الحقيقية باستخدام الإعلام والدعاية، اللذين لهما الدور الأبرز في تشكيل الرأي العام وتكوينه، فبفضلهما تنشأ حركات اجتماعية أو تندثر، وتبسط وتخفف بعض الأزمات الاقتصادية، وتٌبرر الحروب، ويتم تأجيج وإشعال الخلافات بين الأيديولوجيات المختلفة» على حد تعبير تشومسكي، الذي اعتمد في بلورة نقاطه العشرة على «وثيقة سريّة للغاية» يعود تاريخها إلى أيار مايو 1979، وتمّ العثور عليها سنة 1986، و تحمل عنوان: «الأسلحة الصّامتة لخوض حرب هادئة «، وهي عبارة عن كتيّب أو دليل للتحكّم في البشر والسيطرة على المجتمعات، فابحثوا عنها واقرأوها لتدركوا مغزى ما أقول لكم!

-4-

إذا كان شخص واحد كمؤسس موقع فيسبوك استطاع أن يؤسس «جمهورية» عدد رعاياها يقارب ربع سكان العالم، صرف لهم بطاقة عضوية اختيارية، يبوحون كل يوم عبرها بكل ما يجري معهم تقريبا، طائعين مختارين، فلنا أن نتخيل حجم ما لم يعلن عنه بعد، مما يفعله الواحد بالمائة من سكان العالم، الذين يكادون يتحكمون في كل شيء!

زر الذهاب إلى الأعلى