“تحالف” إسرائيل وروسيا

أبرزت إسرائيل في الأيام الأخيرة، أن زيارة بنيامين نتنياهو إلى موسكو ولقاء الرئيس فلاديمير بوتين، هي الرابعة خلال ستة أشهر. وهذه وتيرة زيارات ولقاءات لم تكن على هذا المستوى مع الولايات المتحدة الأميركية، على الأقل في سنوات حكومات نتنياهو الثلاث الأخيرة. وبغض النظر عما يدور وراء الكواليس بين الجانبين الإسرائيلي والروسي، فإن الحديث عن تحالف استراتيجي روسي إسرائيلي، سيكون على حساب التحالف الاستراتيجي مع واشنطن، هو سباحة في بحر الخيال، يتجاهل جوهر العلاقة الإسرائيلية الأميركية.
ما من شك أن وتيرة اللقاءات الإسرائيلية الروسية تشير الى تطور في العلاقة بين الجانبين. لكن هذه العلاقة يجدر وضعها في مسارها الصحيح، إذ إنها تأتي في إطار التقاء مصالح في نقاط موضعية، ولكنها أبعد ما تكون عن علاقة استراتيجية عامة وشاملة. 
ففي الشأن السوري، فإن روسيا ليست معنية بتوسيع دائرة المواجهة في سورية، لتشمل كل الأطراف الموجودة على الأرض، بما في ذلك الغارات العدوانية التي تشنها إسرائيل من حين إلى آخر في العمق السوري، على الرغم مما تعلنه إسرائيل بأنها تستهدف حزب الله اللبناني، الحليف لإيران، والأخيرة على علاقة ذات خصوصية مع روسيا، استنادا إلى التقاء مصالح بينهما. ولكن ما هو ملموس حتى الآن، في هذا الجانب، أن التنسيق بين الجيشين ليس بالمستوى الذي أعلنته إسرائيل قبل أشهر، وإنما كما يبدو يتركز في تجنب أي صدام بينهما في الأجواء السورية.
لكن من جهة أخرى، فإن الجانبين الروسي والسوري معنيان بالظهور في شبكة علاقات خارجية، بعيدة عن محدوديات شبكة العلاقة لكل طرف من الطرفين. فروسيا معنية هي أيضا بالظهور كمن تستطيع اقتحام معسكرات، وأنها لا تؤطر حالها في حلبات محدودة، وهذا في مسار سعي بوتين لبناء الإمبراطورية السياسية الروسية من جديد، كقوة عظمى لها وزن النِّد للإمبراطورية الأميركية.
أما بنيامين نتنياهو، وعلى الرغم من التواطؤ الواسع الذي تحظى به حكومته من غالبية دول القرار العالمي، إلا أنه يشعر بشكل واضح بمحدودية شبكة العلاقات الخارجية، مقارنة مع ما كان في سنوات “الانفراج” في العقد الأخير من القرن الماضي، وتدهورها في فترة حكوماته الثلاث، إلى “حضيض”، إن صح التعبير. ولهذا فهو معني بالظهور، خاصة أمام الرأي العام الإسرائيلي، بأنه قادر على كسر الحواجز في العلاقات الخارجية، وأن حكومته ليست محاصرة، بموجب ما تدعيه وسائل إعلام إسرائيلية.
وقد يرى البعض أن نتنياهو يريد التلويح للإدارة الأميركية، ولكن هذه فرضية ليست منطقية، حتى لو قصد نتنياهو هذا، لأن العلاقة الإسرائيلية الأميركية ذات عمق استراتيجي، لا يستطيع أي ممن يقفون على رأس الهرم الحاكم الإخلال بها، كونها قائمة أساسا على العلاقات الاقتصادية، ومنها العسكرية. وهذا ينعكس في حجم الدعم العسكري الأميركي السنوي لإسرائيل، والذي يصل حاليا إلى نحو 3.5 مليار دولار، ومرشح للارتفاع الى مستوى 4 مليارات دولار وأكثر.
كذلك فإن اللوبي الصهيوني، الذي في مركزه حيتان المال الأميركيين اليهود، الذين تخدم غالبيتهم المصالح الإسرائيلية، مقابل دعم إسرائيل لنشاطهم الاقتصادي، لن يسمحوا لإسرائيل بأي محاولة للإخلال بالعلاقة مع المؤسسة الأميركية. وهذا ظهر مثلا، في الانتخابات الأميركية في العام 2012، حينما لعب نتنياهو ومؤيدو اليمين الإسرائيلي المتطرف في الولايات المتحدة، دورا مكشوفا لإسقاط الرئيس باراك أوباما عن الحكم. فقد أكدت تقارير، ومنها تقرير لما يسمى “معهد سياسة الشعب اليهودي”، التابع للوكالة الصهيونية، أن تصرف نتنياهو وغيره، خلق حرجا كبيرا للمنظمات اليهودية الصهيونية في الولايات المتحدة.
وأمام هذا الواقع، يجدر وضع الاتصالات الإسرائيلية الروسية في إطارها الصحيح، فالخلافات السياسية بين الجانبين ما تزال قائمة، وهذا تجلى في التصريحات المتناقضة بشأن المفاوضات مع الجانب الفلسطيني؛ ففور إعلان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، بأن نتنياهو أعرب عن موافقته على “المبادرة العربية للسلام” من دون أي تغيير، سارع نتنياهو إلى نفي النبأ، وما ذكره نتنياهو كان هو الصحيح بالتأكيد، وتبع هذا تصريحات روسية حول أسس الحل للقضية الفلسطينية، التي ترفضها إسرائيل.

زر الذهاب إلى الأعلى