الجامعات الأردنية والوزير الجديد

د.انيس الخصاونة

يستبشر الأردنيون خيرا عند تعيين وزير جديد للتعليم العالي آملين بأن يلمسوا تغييرات إيجابية على مخرجات التعليم العالي ومعالجات حقيقية لأوجاع الجامعات الرسمية الغارقة في ديونها وهمومها، وتآكل بناها التحتية ومختبراتها ، وتقادم معلومات المدرسين فيها، وتعيينها لمدرسين متخرجين من جامعات لم يزوروها إلا مرة واحدة عند مناقشة رسائلهم . بعض الجامعات الرسمية المكسورة ماليا والضعيفة إداريا تقوم بتعيين أعضاء هيئة تدريس أكملوا دراساتهم بالانتساب من جامعات إفريقية وعربية وأوروبية هدفها بيع الشهادات والألقاب دون أي محتوى ومضمون ليأتي الخريجون بعد ارتفاع مستويات الثقة بالذات لديهم بعد حصولهم على اللقب الساحر “دكتور” ويطالبوا في تعيينهم في جامعاتنا الرسمية مستغلين كثافة التدخل الاجتماعي والسياسي والعشائري في التعيينات الجامعية .
أمام العجز المالي وافتقاد الرؤيا للإصلاح وعدم جدية الحكومة في موضوع إصلاح التعليم العالي تشهد هذه المؤسسات الجامعية تراجعا كبيرا في جودة مخرجاتها إذ تحولت إلى منظمات تصرف شهادات وتقيس كفاءتها بعدد خريجيها ،وليس بإبداعاتهم وتميزهم، ولا بتصنيف هذه الجامعات ضمن المعايير العالمية.المال والجانب المالي مهم في إصلاح التعليم ولكنه وحده لم ولن يضمن حصول الإصلاح بغياب الرؤيا ،والاستراتيجيات المناسبة ، والقيادات الجامعية المحترفة .قيادات الجامعات والعاملين فيها يركزون في مطالبهم بإصلاح التعليم العالي على زيادة الدعم المالي المخصص من الحكومة والحقيقة أن ذلك لن ينهض بالجامعات ومستوى أدائها ما لم يصاحبه جهود تطويرية حقيقة في طبيعة عمل الجامعات وآلياتها ووسائلها … المناهج التدريسية متقادمة ولم تعد تناسب العصر وكثير من هذه المناهج والمقررات لم تعد الجامعات المتطورة تدرسها أو تعتمدها ..أساتذة الجامعات الأردنية الذين تخرجوا في سنوات الطفرة في الأردن(الثمانينات) ما زالوا يدرسون المقررات التي درسوها هم في الجامعات البريطانية والأمريكية وقد هالني ما رأيت في عدد من الجامعات من زملاء يدرسون نفس الكتب التي كانوا قد درسوها عندما كان طلابا في جامعات أجنبية قبل ربع قرن من الزمان ولم يأبهوا حتى في اختيار وتدريس طبعات حديثة وجديدة من نفس الكتب . والمؤسف أكثر أن بعض أعضاء هيئة التدريس أصبحوا يدرسون تاريخ العلوم وليس العلوم نفسها حيث يعتقدون أن العلوم قد توقفت عند تاريخ تخرجهم من جامعاتهم.أما الدراسات العليا في الجامعات الأردنية فآلامها وأوجاعها تكاد تصل إلى درجة الاستعصاء نظرا لتولي كثير من أعضاء هيئة التدريس غير المؤهلين تنفيذ وتدريس طلبة الدراسات العليا، ناهيك عن تراخي في المتطلبات وشروط الانضمام لهذه البرامج والتخرج منها ، وضعف الطلبة وانتشار مراكز البحوث التي تقوم بكتابة الرسائل الجامعية مقابل الأجر .بعض أعضاء هيئة التدريس الذين حصلوا على شهاداتهم بطرق ملتوية ومن جامعات مطمورة ومجهولة ينطبق عليهم مثل”فاقد الشيء لا يعطيه” ومثلهم مثل من يحصل على رخصة قيادة المركبات دون أن يمتلك مهارات القيادة.
غريب أمر جامعاتنا والأغرب هذا التجاهل الرسمي للأزمات التي تعاني منها معظم الجامعات فلا لمسنا تغيرات إيجابية في التعليم العالي منذ عقدين من الزمن. كليات الطب جديدة يتم تأسيسها في كل جامعة في الوقت الذي يعاني فيه الأطباء الخريجون من البطالة .كليات الطب كليات مكلفة جدا بما تحتاجه من مستلزمات مادية وبشرية وتكنولوجية ولا فائدة من إنشاء كليات ضعيفة ومتدنية المستوى في كل جامعة لا لشيء إلا لأسباب سياسية هدفها الاسترضاء الاجتماعي والسياسي للمناطق التي تحيط بهذه الجامعات. نعتقد أن وزارة التعليم العالي ينبغي أن تتأنى وتدرس واقع كليات الطب في الجامعات الأردنية قبل الموافقة على إنشاء مزيدا من الكليات الجديدة ، كما نعتقد بأنه ربما يكون من الأنسب أن يكون في الأردن ثلاث كليات محترمة وقوية للطب وتحظى بدعم كبير ومجزي من الحكومة ومن موازنات هذه الجامعات واحدة في الشمال وواحدة في الوسط وأخرى في الشمال.إنشاء كليات الطب أصبح تقليعة وشعار لرؤساء الجامعات الجدد الذين يريدون أن يسجلون إنجازات شخصية لهم وليس إنجازات للوطن.
وزارة التعليم العالي وزارة بحاجة إلى إعادة نظر لتركيبتها وهيكليتها ووظائفها ومجلسها الذي نريده دوما عاليا …نعم تحتاج هذه الوزارة إلى مراجعة هامة وشاملة من قبل جهات مستقلة تستقصي إنجازات هذه الوزارة ،ومدى ضرورة وجودها أصلا ،وما هي الجهات والهيئات التي يمكن أن تؤدي دورها بفعالية أكبر. أما تعيين رؤساء الجامعات فعلى الحكومة أن تتوقف عن تعيينهم على أسس سياسية ، كما ينبغي أن تعزز وتؤكد على استمرار قيام العاملين من أعضاء الأسرتين التدريسية والإدارية في الجامعات بتقييم كفاءة وأداء رئيس الجامعة ونوابه .أما مجالس أمناء الجامعات الرسمية فهي قصة إخفاق مزمنة تحتاج إلى مراجعة حقيقية من الوزير الجديد الدكتور محمد أبو قديس ،ونعتقد أن حل المجالس الحالية وتشكيل مجالس جديدة من ذوات لهم صلة بالتعليم العالي والجامعات بات ضرورة قصوى،إذ أصبح من الغريب والعجيب أن تكون هذه المجالس مكانا لاسترضاء اجتماعي، وتعيين بعض ممن لا يفقهون أبجديات العمل الجامعي أعضاء في مجالس أمناء مناط بها تعين العمداء ونواب الرئيس ففاقد الشيء لا يعطيه….

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق