التعليم المباشر .. حل لا بد منه

د. ابراهيم بدور

نسق حياة جديد، فرضته أزمة كورونا، ومسارات من نواح عدة، رسمتها الجائحة؛ فكما أثرت في الجانب الصحي والاقتصادي للبلد، لم يسلم النظام التعليمي من تبعاتها، بعد أن تم تحويل التعليم إلى “عن بُعد”، هذا التعليم الذي حرم الطلبة من التوجه لمدارسهم منذ شهر آذار (مارس) الماضي، إذا ما استثنينا أياما معدودة بداية الفصل الدراسي الأول.

المتصفح لمشهد التعليم في الأردن، ومن يستمع لشكاوى أهالي الطلبة يلمس حجم المأساة التي يعيشها هؤلاء؛ فبين الظروف المعيشية والاقتصادية الصعبة، والخوف على مستقبل أبنائهم؛ لم يجد أولياء الطلبة بدا من تسديد الأقساط المدرسية عن العام الدراسي الماضي، مع دفعات مالية عن العام الحالي، ليصطدموا لاحقا بتعليم عن بعد أرهقهم معنويا وماديا، إذ غدوا مجبرين على توفير المتطلبات التكنولوجية اللازمة لدراسة أبنائهم، وتعلّم استخدام التطبيقات التعليمية، ودخول المواقع الإلكترونيّة لمساعدة أولادهم على التأقلم مع نمط الدراسة الجديد.

اما الطالب، المتضرر الأكبر من هذا التحول؛ فبات يشعر بعزلة دراسية بسبب غياب الحوارات الجماعية، وضعف منهجية التفاعل مع المعلم نظرا لغياب السؤال والجواب بين طرفي المعادلة الدراسية، وهو أمر خفض منسوب رغبة الطالب على التعلم، وبالتالي أبطأ من مستوى تطوره وابداعه، جراء شعوره بالإحباط والانكفاء على الذات وحُب العزلة.

لا نغفل عن قول ان نقل الطلبة من الغرف الصفية إلى الغرف الافتراضية لا يمثل نقلا جغرافيا جسديا بل هو نقلة نوعية تكنولوجية تحتاج إلى عقلية تتقبل هذا التغيير المفاجئ وتتماشى معه.

وزارة التربية هي التي تقود العملية التعليمية وتضع الخطط، وهي ذاتها المسؤولة عن تدريب معلميها وتطوير وسائل لايصال الدروس للطلبة في منازلهم، لكن لاحظنا كمية الأخطاء المستمرة وخصوصا على منصة درسك، وهي أخطاء تعزوها الوزارة دوما الى الضغط الحاصل على المنصة التي لم تعد تستوعب أعداد الطلبة المتصفحين لها.

هل هذا عذر مقبول، بالتأكيد ليس كذلك، خصوصا بعد 7 أشهر من التحول إلى نظام التعليم عن بُعد، واكتساب الوزارة خبرة كافية بهذا الجانب، فعندما تعلن الوزارة أن 82 % من الطلبة قدموا امتحاناتهم عبر المنصة، يعني أن 18 % لم يتقدموا للامتحان، أي ما يعادل 250 ألف طالبة وطالب.

إن التعليم عن بُعد بحاجه لجراحة عميقة، كونها في ظل الظروف الحالية رديفا للتعليم المباشر، وهي فرصة سانحة لنقل المعرفة من النظام المكتوب ورقياً للنظام الرقمي على أن تطال هذه الجراحة المنصة اولاً، تطويراً وتحسيناً، من ناحية المحتوى المقدم، واسلوب عقد الامتحان، وحتى تكنولوجياً لاستيعاب الطلبة جميعاً وان لا تحدث الأخطاء المتكررة التي تحدثنا عنها.

متابعة الوضع الوبائي شيء مهم، لكن أن يطبق الحظر على طلبتنا فقط فهو مستغرب، خصوصا وقد تم فتح كل القطاعات وما تحتويه من أماكن تعتبر موطنا للاختلاط كما هي المدارس ولكن يبدو أن للاقتصاد أهمية تفوق التعليم، وصوته أعلى وتأثيره عند صاحب القرار أكبر من تأثير مناشدات الطلبة وذويهم!

علميا، فإن الطلبة من الفئة العمرية (دون سن الـ 18 عاما) الأقل تعرضاً واصابةً من باقي الفئات العمرية بهذا الفيروس، ومع ذلك نحرمهم من حقهم في تعليم مباشر يراعي التربية والتعليم في آن واحد!

واذا قال قائل ان الهدف حماية هؤلاء الطلبة، نقول له “إنهم معرضون للاصابة وهم في منازلهم جراء اختلاطهم بذويهم الذين يختلطون مع كل فئات المجتمع خلال عملهم اليومي في كل القطاعات المفتوحة.

من كل ما ذُكر نريد ان نؤكد ان التعليم المباشر هو ضرورة والعودة له يجب ان تكون قريبة مع أخذ الاحتياطات الصحية.
ونقترح أن يتم استفتاء الطلبة والاهالي الراغبين بالعودة للتعليم المباشر؛ فمن يريد هذا النظام فهو موجود ومن يريد نظام التعلم عن بُعد فهو أيضا موجود على المنصة. واذا تم اكتشاف حالات في مدرسة ما يتم تحويل التدريس فيها إلى عن بعد لمدة معينة.

اسهل طريقة لأي مسؤول هي الاغلاق والحجر لإبعاد أي لوم قد يقع على عاتقه اذا ما سُجلت اصابات كورونا، وهذا حل كلاسيكي ومستهلك، المطلوب هو حلول خلاقة وأفكار خارج الصندوق تساعدنا على الخروج من هذه الازمة.

(الغد)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق