نشر في: الأحد, 06 تشرين1 2019 13:04
الزيارات:    
| طباعة |

حمّود البوسعيدي .. رحّالة عُماني يصف مصر عام 1872

تمثل رحلة السيد حمود بن أحمد بن سيف البوسعيدي "الدر المنظوم في ذكر محاسن الأمصار والرسوم" نصاً فريداً يمكن من خلاله دراسة الأبعاد الحضارية لحقبة سبعينيات القرن التاسع عشر، وخصوصاً الاقتصادية والمالية، وتأثر اللغة العربية بالمصطلحات الغربية التكنولوجية، التي بدأت تغزو العالم في ذلك الوقت من عمر الثورة الصناعية.

وعليه؛ فإن نص السيد حمود البوسعيدي على هذا الصعيد، هو واحد من أهم النصوص الجديرة بالدراسة، إن لم يكن أهمها، وخصوصاً لجهة تسمية الآلات ووسائل المواصلات والشبكة السلكية الوليدة، وبدايات استخدام بعض المنتجات النفطية والكهرباء، وبداية استخدام مادة الإسمنت في البناء، وذلك في الجزء المصري من رحلته خصوصاً، حيث كانت مصر تعيش مرحلة تحديث قسري (إن جاز التعبير) على يد الخديوي إسماعيل الذي نقل الحضارة الغربية إلى القاهرة دفعة واحدة.

كان السيد حمود البوسعيدي من الأسرة العمانية الحاكمة في زنجبار وعمان، وكان رجلاً ثرياً لدرجة أنه أوقف عدة أوقاف في مكة وزنجبار، وأنشأ مصانع وقصوراً في زنجبار.

"
كانت مصر تعيش مرحلة تحديث "قسري" على يد الخديوي إسماعيل
"
خرج البوسعيدي من زنجبار بصحبة السلطان برغش بن سعيد بن سلطان حاكم زنجبار يوم 26 شوال 1288هـ [8 كانون الثاني (يناير) 1872م] لأداء مناسك الحج، فوصلا إلى مكة يوم 14 ذي القعدة 1288هـ [25 كانون الثاني (يناير) 1872م].

وبعد انتهاء المناسك بقي السيد حمود مجاورًا للبيت الحرام مدة تزيد على ثلاثة أشهر، اشترى أثناءها دار بيت الرباط الأول في صفر 1289هـ [نيسان (أبريل) 1872م]. ثم انطلق في رحلته التي شملت شمال مصر وجنوب الشام، إلى أن عاد إلى مكة بتاريخ 1 شعبان 1289هـ [4 تشرين الأول (أكتوبر) 1872م]، حيث مكث إلى موسم الحج، وفي هذه الفترة حرر رحلته، إذ يشير في خاتمتها إلى شاعر مكي يدعى الشيخ أحمد بن محمد بن أحمد الحضرواي المكي الهاشمي، قرّض الرحلة بقصيدة منشورة في آخرها.

وقد امتازت لغة الرحلة بالسلاسة والاختصار والابتعاد عن التكلف والسجع، الذي كان يميز نصوص تلك الحقبة والحقب التي سبقتها، ولكنها لا تخلو من المفردات العامية والمصطلحات الخاصة بجنوب الجزيرة العربية.


في ذكر مصر وعجايبها

يقول البوسعيدي: "ووصلنا مصر الساعة أحد عشر إلَّا عشرين دقيقة، وكان قد وقف بنا في خمسة عشر موضعاً لأجل استراحة وقضاء حوائج منها رجوعه إلى بلد تسمى إسماعيلية مرسى المراكب التي تمرّ في البحر الجديد، وتركنا مدّة الإقامات، فكان باقي مسيرنا من ذلك كله، من السويس إلى مصر، ست ساعات وعشرين دقيقة، وكان في سابق الأمر على الجمال مسير ثلاثة أيام بجمال أهل مصر، لأنها في السير أسرع من جمال الحجاز. والنهر من النيل والبحر الجديد سايرنا من السويس إلى الإسماعيلية والسلك كذلك يسايرنا من جانبين، وذلك مقدار نصف الطريق. الغاية أنها مقابلة لتاسع محطة. ثم انقطع عنا البحر الجديد والسلك من جانبٍ واحدٍ، وسار البحر إلى جانب آخر، إلى بنط سعيد وبقي معنا النهر الحالي والسلك من جانب واحد يسايرنا إلى مصر. وعند وصولنا إلى وادي مصر، وهو معقل العسكر، بعده عن البلد سبع محطّات، كلّه عمار من مزارع ونخيل وأشجار. وتفرّع النهر في مواضع شتى يسمّونها الترع، منها ترعة إلى السويس تمر منها المراكب عند الجودي، منها ترعة إلى الإسكندرية وترعة لشق مصر، وكلها من بحر النيل الكبير وتفاريعه في ساير أرض مصر من ساير البلدان. وجميع هذه الترع تجري فيها السفن من كبار وصغار ويأكلون من حيتانها".

ويضيف قائلاً: "الحاصل، أنا رأينا شيئاً عظيماً لا يتوصف، والسويس بلدة صغيرة، ولا عليها سور، ولا فيها شيء من القلاع، غير البوابير الحربية في مرساها، وفيها محكمة منظمة متكلّفة بلكّ وخمسين ألف ريال، هكذا بلغنا، وليست بلدة مزارع، إنما يجيء إليها أصناف الفواكه والمأكولات من مصر وغيرها. وأما العجايب في مصر: وما سمّيت مصر إلّا وهي مصر كما قالوا، فيها من البساتين ما يبهر العقول كثرة، حتى في بعض الأماكن يمشي البابور ما بين الأشجار والأنهار".


المطبعة والمتحف

"
يصف بعض معالم مصر الحديثة في ذلك الوقت؛ مثل المطبعة والمتحف
"
وينقل البوسعيدي وصفاً لبعض معالم مصر الحديثة في ذلك الوقت فيقول: "تفرّجنا على كارخانة طبع الكتب، والذي يصحّح في الكتب في المطبعة عشرة من العلماء. وكذلك تفرّجنا على كارخانة عمل القرطاس، وهي تعمل أصنافاً من القرطاس، وهو يعمل من الخرق البالية والجواني وورق الموز، وأما طبع الكتب فهو على نوعين: نوع بالحجر ونوع بالرصّاص. وتفرّجنا على كارخانة السرج التي تشتعل منها المسارج في البيوت والطرقات. الحاصل أن الذي رأينا في هذه الكارخانات، شيء لا يتوصف، ودخلنا بيت الفرجة، وهو بمحلٍ يقال له بولاق وهم يسمّونه الأنتيكة ومعناه العمل القديم، ورأينا فيه صور الفراعنة وغيرهم، وحليهم السابقة من ذهبٍ وفضّة وبعض من حوايجهم وأسبابهم وساير صنايعهم. وفيهم أموات على حالهم في صناديق، شيء من تاريخ ثلاثة آلاف سنة وثمانماية سنة. تواريخهم مكتوبة عليهم وهم أخرجوهم النصارى من الأرض، منهم مخرّج في زمن محمد علي باشا، ومنهم من بعده. أصلها مقابر قديمة بمصر، يحفرونها ويخرجوا منها صور المتقدمين وأمواتهم وحوائجهم، هكذا أخبرونا والله أعلم. وفيهم صور هايله موحشة شيء منها يقارب سبعة أذرع طولها وأزيد، والجرم على قدر الطول، وشيء من الأموات بأكفانهم، وشيء من كسوتهم كذلك باقيه لم تتغيّر، وشيء منهم له صورة مزعجة، وجهه كالآدمي وساير جسده كالأسد، وغرايب لا تحصى يحتار فيها اللبيب، ويهابها الطبيب، وهي شكل غريب. وتفرّجنا على نيل مصر الكبير وما فيه من المراكب والسفن، ورأينا مجاري الترع منه إلى باقي البلدان من السويس وغيرها، والسفن الجارية فيها تحمل شجر وخضرة وفواكه وحبوب وغير ذلك من مهمات العالم، إلى ساير الجهات. وكلّ هذه الفرجة ببولاق، وهي حارة من حواير مصر مشهورة، والآن هم باذلين الجهد في حفر ترعة إلى السويس غير الأولى للمراكب الصغار، ورأينا القناطر الصغار، ورأينا القناطر الدورانية على النيل".


الجزيرة والملاهي والقلعة

ويقول البوسعيد واصفاً الجزيرة التي كانت تبنى فيها منشآت مهمة: "رأينا الموضع المسمّى الإسماعيلية الذي يعمره إسماعيل باشا بمصر بالقرب من بولاق في محلٍ يقال له الجزيرة، وبما فيه من البناء الفاخر، ورأينا بستانه المسمّى الجُنينة، وبما فيه من القبب المزخرفة والأنهار الجارية والأشجار المظلة الدانية، والجبل المصور، والماء ينحدر من أعلاه إلى بحيرة في وسط البستان، وعليها القناديل دايرة على صفة بيض النعام، وكلّها تسرج في يوم الزينة بالجاز والجاز حلّ الولاية.

وفي وسطها قبّة صغيرة وفيه من الأشجار الفاخرة ما لا نهاية، وفيه قبّة مخصوصة لضرب المزيقة وهي آلة الطرب الإفرنجية، وكذلك باقي القبب بها أنواع من الآلات الملهية، وفيهن من القناديل والسرج ما لا نهاية. وعلى الأنهار والأشجار من القناديل بالقاز. ويصير فيه مجمع كبير في الأسبوع مرتين، لأنه مجعول للفرجة. مما يؤدي لكل متدين بدينه أن ينكر".

ويضيف: "دخلنا بيت النزهة الذي في بستان القلعة، وهو مزخرف مالانهاية، وفيه ديوان المناصب، إذا تولى حاكم يقعد فيه للتهنية، وكذلك في أيام الأعياد يقعد فيه والي مصر، وفيه مواضع، إذا دخلت موضعاً تراه أحسن من الآخر، وفيه حمّام. الحاصل أنه محل مملكة، وقد بلغنا أن السلطان عبد العزيز لما قدم سنة 1283 [هجرية] إلى مصر، نزل فيه. ورأينا ضرب خانة القروش في القلعة، وكذلك سجن النبي يوسف عليه السلام، وهي بئر كبيرة وعميقة في القلعة، ونزلنا إلى بعضها ورأينا الموضع الذي كان يجلس فيه النبي يوسف عليه السلام، وهو في جانب من البئر وطريقها مظلمة، ينزلها بالمشاميع، وهم يجذبون الماء منها للقلعة على رأسين من الخيل، لأنها بئر عظيمة هايلة وماؤها عذب. وفي بستان القلعة المذكور بركة عليها صور أسباع يخرج الماء من أفواهها ومن وسطها، كذلك يخرج الماء كمثل الشجرة".

وسائل النقل

يقول واصفاً السفن التي يسميها الجواري: "وجواري الدخان في بر مصر كثيرة متفرقة في بلدان شتى، وكذلك السواعي من كبار وصغار شيء كثير، لا تحصى ولا تعد، حيثما سرنا وجدناهن في الشط بنفسه وفي فروعه، تحمل الأمتعة إلى مصر وباقي البلدان.. وأكثر أحمالهم على الجمال والسواعي والبوابير، والبابور الواحد يجر إلى ماية عربية محملة أثقال كثيرة من أموال، وحيوان من خيل، وغيرها المخصوصة للركاب لم تقطر شيء، وربما تأخذ نصف مقدار سيرها، الساعة بنصف ساعة.. وقد ركبنا في المقطورات، وهن مثل الطير الذي يقف مع الجاري، لم تُعرف صورته من قوة السير، مرّ علينا طيرين ولم يقدرا يجاوزنه من قوة جريانه".

ويضيف واصفاً الطريق إلى بهنسا لزيارة بعض الأضرحة: "يوم خمسة وعشرين والخميس من جمادى الأول، سافرنا إلى البهنساء إلى زيارة الشهداء، وأخذنا من البيت إلى خارج البلد عند مواضع جواري الدخان ساعة وعشرين دقيقة، راكبين في عربية [عربة] برأسين [برأسي] خيل، وركبنا في بابور البر [القطار] إلى بلد تسمى مغاغة، وأخذنا في الطريق خمس ساعات وخمس دقايق، الذي [التي] هي يمشي فيها البابور، غير مدة الإقامات.. ومن مصر إلى مغاغة سبع مقامات، ومنها ركبنا إلى أرض البهنساء على خيل أخذنا ساعات، هذا كله مشي غير مدة الإقامة.

ومن مصر إلى البهنساء كله عمار بلدان جملة، لا تعد ولا تحصى، وكلها مزارع من سكر وبر وبقولات وغير ذلك، وفيها نخيل جملة، والنيل معنا إلى البهنساء. وعَبَرنا نحن وخيلنا في سفينة والسلك مَعَنا إلى مغاغة وصار عنا إلى موضع آخر. والمراكب والسفن الكبار معنا إلى مغاغة، وكذلك فروع الشط فيها سفن صغار، والنيل له فروع شتى لا تحصى ولا تعد حيثما سرنا هن معنا. والذي عبرناه في السفينة هو نهر يوسف عليه السلام، وهو فرع من النيل، وهذه المزارع التي رأيناها يعمّها الماء عند امتلاء الشط في كل سنة، لا يبقى منها شيء غير محلّ البيوت خاصة، ويتعبّروا في سفن صغار من بلاد إلى بلاد، وهذه المزارع حدّ ما يلقي نظرة الإنسان لا يرى أقصاها، ربما أنها مسير أشهر، وهي صحن واحد ما فيها مكان مرتفع غير مواضع البيوت والنخيل، وفيها جملة شجر".


بهنسا

وبعد وصوله إلى بهنسا يقول: "وصلنا البهنساء زرنا الشهداء بفضل الله وكرمه، ورأينا موضع القتال ومسجد الصحابة، وهو لم يبق إلّا أثره، ورأينا بير المسلمين، حيثما استشهدن نساء المسلمين، ورأينا موضع كلب الروم على كثيب عالي حيثما كان يحرّض أصحابه على القتال، ورأيت في ذلك الموضع جماجم على حالها، ما متغيّرة بشعورها، يذكروا أنها جماجم المسلمين متوارية بالأحجار.. والشهداء المعروفين عليهم قبب، كل جماعة في قبة، والذي [الذين] غير معروفة أسماؤهم عليهم علامات من الحجارة، ويذكروا الوادي كلّه ملآن من القتلى، وجاعلين علامة بين قتلى المسلمين وقتلى المشركين حجر على طول محل الوقايع التي صارت، وهو وادي متسع. ورأينا موضع الكنيسة وشيء من آثارها من الحجر الرخام، والبلد على نهر يوسف (عم)، والنهر يجري بوسط البلد وهي قديمة كلها خراب، بيوتها مدقدقة وأمّا حدودها على ما رأيناه لا باقي من الأسوار والقلاع شيء، والآن في أكبر الخراب. وليس بها كثرة سكّان، وفيها مساجد قديمة، واحد منذ سبعماية سنة، وواحد له فوق ألف سنة، وهو على النهر وقد خرب والآن عمروه ثانياً. وفي رجوعنا من البهنساء زرنا سيّدنا أبا هريرة وولده، وهم في مصر عند كباينة البابور عند المسجد. ومن مصر إلى البهنساء كانوا يسيرون إليه على الجمال في أربعة أيام بجد السير".


تزيين القاهرة والتوجه إلى الإسكندرية

وبعد زيارة بهنسا يعود رحالتنا إلى القاهرة فيجد أن المدينة كانت تتزين استعداداً لاستقبال إسماعيل باشا قادماً من إسطنبول، ويقول إن الزينة شيء مفرط، إذ يبلغ إيجار المغنية ثلاثمائة ريال في الليلة الواحدة.

ثم يتحدث عن سفرهم إلى الإسكندرية فيقول: "سافرنا من مصر إلى الإسكندرية يوم تسعة وعشرين والاثنين من جمادى الأوّل سنة تسعة وثمانين ومايتين وألف في ثلاث ساعات إلا ربع من يومنا هذا المذكور، ركبنا في بابور البر، فوصلنا إلى الإسكندرية في تسع ساعات وخمس دقايق من يومنا المذكور، ووقف بنا البابور في تسع مواضع مدّة الإقامة من ذلك ساعة وعشر دقايق يصير المشي ثمان ساعات إلا خمس دقايق.. ويذكروا أن سابقاً كان السفر على الجمال من مصر إلى الإسكندرية في ستة أيام. ومن مصر إلى الإسكندرية كلّه عمار بلدان وبساتين ومزارع، والنهر والسلك معنا من جانبين، وقرب إسكندرية بنصف ساعة سايرنا البحر المالح، ومشينا في أرض الملح والنهر والزرايع والبساتين دارت عنّا في جانب، والبحر في الجانب الثاني.. وجميع المواضع التي تقف عليها البوابير كلها بلدان وفيها ما يؤكل من فواكه وغيرها، فلا يحتاج المسافر لطبيخ ونفيخ، ولا إلى حمل زاد، وذلك من جميع أرض مصر حيثما تصل البوابير براً أو بحراً.. والمراكب والسواعي الصغار متفرقة في النهر من مصر إلى الإسكندرية، وكذلك بساتينهم وزروعهم سقيها على ثلاثة أصناف كما تقدّم ذكرها".

ويشير إلى أن المسافة من القاهرة إلى الإسكندرية كانت البلاد فيها كلها عامرة لا يوجد فيها خراب. ويقول: "عند وصولنا الإسكندرية رأيناها مزينة لأجل وصول إسماعيل باشا من إسطنبول كما تقدم، وزينتها بشيء عظيم لا يوصف، ويذكروا أن الزينة تتكلّف عليهم بمبلغ عظيم أكثر من مصر والله أعلم بذلك، وفيها من جواري الدخان المزينة ما هو في غاية الحسن، وكذلك جواري الخيل [العربات] مزخرفة أحسن من الذي رأيناه في مصر".

ويقول عن الإسكندرية: "هي بلد منظمة نظيفة وغالب طرقها منصوبة متسعة مفروشة بالحجارة، وماء النهر يعلو إلى أعلى طبقة من البيوت، وأغلب بيوتها منظمة في أحسن التنظيم. وهي بلد متوسطة، وفيها بساتين فاخرة وبيوت في البساتين على أشكال لطيفة مسايرة النهر، وعلى النهر أشجار. تمرّ الجواري بين البساتين والنهر في ظل الشجر حد ما رأينا من المسافة على هذه الصفة. وعليها سور وخندق عظيم من جانب البر، وعلى السور قلاع وفي وسطها قلعة مدوّرة.

الحاصل أنها بلد منيعة، وكثير منظومة ما لا نهاية، والبساتين المذكورة خارجة عن السور، وفي وسطها بعض البساتين الصغار، ورأينا الجواري وموضع ما يوشروا المراكب، وهم عمّال في الخدمة، ووصلنا إلى الرأس، وهو موضع العسكر وهم يسمّونه رأس التين، وبه سراية عظيمه لجلوس والي مصر إذا قدم إليها، وفيها بعض البساتين الصغار للفرجة، وفيها بركة ماء ينصب من أعلاها، وصور آدميين يغتسلون. وعلى البركة أشجار. الحاصل أنها بلد ما عليها قصور، يعجز الواصف عن وصفها، وفيها فرضة عظيمة متسعة بها مواضع كثيرة. والبندر فيه من المراكب الكبار والصغار والسواعي شيء كثير، وفيها مساجد منظمة، بل أنها ليست كمساجد مصر. وأما سكانها فأغلبهم نصارى ويهود، والمسلمين بها قليل بالنسبة إلى من سواهم".


الموالد في طنطا

ينقل لنا البوسعيدي شيئاً عن موالد طنطا التي لم يزرها ولكنه سمع عنها من بعض المحدثين فيقول: "فيما بين مصر والإسكندرية بلد تسمّى طنطا بها مقام الشيخ أحمد البدوي يعملون له في كل سنة ثلاث موالد كبار، ويذكرون أنه في كل مولدٍ ينتظم سوق عظيم. مدة المولد خمسة عشر يوماً يأتون الزّوار من ساير أقطار مصر جميعاً، ويقدمون التجار من الشام والروم، وغيرها من ساير أجناس الأمم، ويصير موسم وبيع وشراء وأصناف التحف والأقمشة واللعوبات وغيرها، وأهل الأذكار، والناس أفواجاً من كل فجّ.. أخبرونا أن اجتماع الخلائق في المولد الكبير يقارب عددهم كالاجتماع بمنى وأيام التشريق، ويذكرون أن الشيخ أحمد البدوي صاحب هذا المولد كان حياً في القرن السادس ثم ظهرت له جملة كرامات مذكورة في كتب، وشهيرة على ألسنتهم، حتى إنّه كان يخطف الأسراء [الأسرى] من بلاد الإفرنج، فلهذا تجدهم يعتقدون أنّه من أولياء الله. ولم نر هذه البلد إلا بالمرور عليها، ولم ندخلها غير بخبر بعض الناس لنا أنها مربّعة بالشكل، لطيفة الهواء بها أصناف التجارات، وأبنيتها ناهية، وبحر النيل في وسطها، وهي منتظمة والله تعالى أعلم. وهي من جملة المحطّات الذي يقف عليها البابور".


حفر قناة السويس

بعد ذلك يسافر البوسعيدي من الإسكندرية على مركب نمساوي إلى بور سعيد ويرى الأعمال في قناة السويس التي يصف جانباً منها فيقول: "ثم سافرنا من الإسكندرية يوم رابع والجمعة من شهر جمادى الآخر في أربع ساعات وربع من النهار في مركب للنيمسا، وهو كثير منظم في غاية الحسن، وهو دخان بو دقلين، وفيه شرخين للسكان، واحد في التفر والثاني قرب الدقل القدامي، فوصلنا بنط سعيد يوم ثاني بعد طلوع الشمس بأربعين دقيقة، وهي بلدة مستجدة صغيرة، منفد البحر المقطوع، أوّله من السويس وآخره في بنط سعيد، وفرع النيل متصل بها في تل من الحديد، وهذه البلد مجعولة مرسى للمراكب. والبيع والشراء بها قليل ما عدا المأكول وما يحتاج له المراكب، وليس فيها شيء من البساتين، وأغلب بيوتها خشب وقصب، وأغلب سكانها نصارى ويهود، ما فيها غير مسجد واحد للمسلمين، ورأينا فيها منارة للسراج ليهتدوا أهل المراكب إليها، يذكرون صب حجر واحد طولها مايتين وخمسة وتسعين رفصة [خطوة]، ورأينا فيها بيت صبّ كله حجر واحد، وذلك أنّهم يأخذون الرمل ويعملوه ويصبوه، ويكون كالحجر لا فرق بينه وبين الحجر. وطرقها الجميع منصوبة، وأسواقها على قدرها، وهي في زيادة عمار، وكل مركب يمر في البحر الجديد يسلّم دارهم على قدر المركب في الكبر والصغر. وذكروا أن مدخوله في الشهر اثين مليون افرنك، وخمسة افرنك بريال، والمليون ألف ألف، وذلك في كل شهر يأخذوه الفرنسيس الذين قطعوا البحر، هكذا أخبرونا. وسافرنا منها في عشر ساعات وعشرين دقيقة من يومنا، ومع خروجنا رأينا الكراكة التي تحفر البحر، تكفي لحكمه تحفر بالدخان، يعتزل الطين وحده والماء وحده، الماء ينزل للبحر والطين يبقى فيها".



يسمح بنقل المادة أو جزء منها بشرط ذكر المصدر