نشر في: الإثنين, 10 حزيران 2019 22:36
الزيارات:    
| طباعة |

أبي في منطقة الكرامة ١٩٤٨

بقلم: ناديا سعادة

خرج أبي من بيت محسير سنة ١٩٤٨ ، وبعد مواجهات للمقاتلين بمعارك باب الواد... وكان أبي في الرابعة من عمره فقط.

كانت الرحلة لأريحا، وهي من المناطق الأكثر أمانا للمنكوبين، و هي على أقدام اللاجئين طبعا.

كان الطعام في الخيام قليلا ، توزعه وكالة الغوث " الأونروا"، والملابس كانت من " خيش" أكياس القمح، تخيطها الأمهات بإبر الملاحف والصوف.

كان بنطال أبي كما يصفه ، بلون " الخيش"، على مؤخرته يدان تتصافحان دلالة على دعم الأمم المتحدة الشعوب المطرودة تحت رعايتها، ومن أرض الآباء والأجداد...

على أيّ حال....

يستمر أبي في رواية مضحكة لقصة حدثت معه في منطقة الكرامة في أغوار الأردن ، وحيث كان يتجوّل صغيرا بين خيام الناس، ولم يتجاوز السادسة من عمره .

رآه رجل كان يتسول من اللاجئين ، و يأخذ أيّ شيء تجود به نفوسهم الكريمة برغم كل ظروف القهر والضياع و الحزن... حمل الرجل أبي على أكتافه، وبدأ يصرخ.... ضائع يا أهل الله.... ضائع!

وبدأ أبي يصرخ في وجه الرجل، ويخبره أنه يعرف أين خيمة أهله، وأنه من بيت محسير، وعليه أن يُنزله ليعود... لكن الرجل استمر في تجوّله بالصغير التائه ، دون توقف على المناداة على أهل الخير!

حدثنا أبي كيف دلّ المتسوّل على خيمة جدي ، وحين وصلا الخيمة كانت جدتي تخبز، ونظرت إلى وجه ابنها باستغراب، وماذا يفعل على أكتاف الرجل ، وبدأ الرجل يكذب عليها، وكيف وجد أبي ضائعا باكيا بين خيام الناس، وعند تجمع لعرب السواحرة...

وحاول أبي شرح شيء مهم لجدتي عائشة، وأنه كان يلعب هناك، ولم يكن تائها، ولا حتى باكيا...

لكن جدتي الطيبة شكرت الرجل ، وأعطته رغيفين، أما أبي فقد واجه مصيرا صعبا في تلك الليلة.... و ظلّ وجه الرجل في مخيّلته، وهو يردد.... ولد ضائع... دلوني على أهله يا أهل الخير...

دمتم بخير

 



يسمح بنقل المادة أو جزء منها بشرط ذكر المصدر