نشر في: الإثنين, 03 كانون1 2018 12:38
الزيارات:    
| طباعة |

أوعوا اتطفّوا التلفزيون....

بقلم : يوسف غيشان

الوالد كان ثقيل السمع بشكل يرى بالعين المجردة، وكنت أضطر للنهيق حتى أجبره على سماع صوتي. صلته الدائمة مع العالم الخارجي كانت من خلال راديو بلاستيكي متوسط الحجم ، حيث يحشره  بين راحة يده وأذنه غير المعطوبة تماما (التي لم يصلها السيخ)، كان يلصق الجهاز في صيوان الأذن تماما ، ويتعاطى سماع نشرات الأخبار .النشرة تلو النشرة دون كلل أو ملل.
عدا التنصت على المذياع ، كانت علاقة الوالد مع التكنولوجيات معدومة البتة، ولما نجح التكاتف الأسري في شراء جهاز تلفزيون نهاية السبعينيات، وضعناه في الصالون حيث يجلس الوالد وينام ، لكنه لم يقدر على استيعاب فكرة أن المذيع أو الممثل لا يراه ،والوالد   يشاهد  أن عينه في عين الرجل ،لذلك كان يجلس بكامل أناقته (المفترضة) ، يجلس بوقار كأنه في مجلس هيئة أركان حرب ،وكان يرفض تغيير سرواله (أبو دكه) إلا بعد إطفاء الجهاز ، ثم صار ينهرنا إذا حاول احدنا تغيير المحطة (القصة حصلت قبل اختراع الريموت كونترول ) وكان يقول بانفعال غير مدبّر:
-ليش بتفركوا في أذانه ، هوه بغير على خاطره !!  
إذ يعتقد بان التلفزيون يتغير من قناة إلى قناة حسب مزاج المسؤول  هناك، ولا يحق لنا التدخل.
ذات يوم صرخ الوالد فجأة وهو يشاهد تمثيلية  .. صرخ قائلا :
-اقضبوه.. اقضبوه ..هاظا هو  اللي (قشّطني) البارودة في ال(48).
إذ كان الوالد الرئبال  قد تعرض إلى هجوم من شخص  في ذلك العام ، خلال ذهابه وإيابه إلى فلسطين وأخذ  منه بارودته ،عنوة .ولما سمعنا نضحك حتى البكاء، قال بحزن وكآبة :
- أنا ما خلّفت رجال ....أنا خلفت نسوان .
مات ميخائيل عام 1991 عن 91 عاما قضاها في البحث عن لقمة العيش ،جاء المعزون ،وكانوا يقولون لي على سبيل العزاء :
- اللي عقب ما مات !!
كنت اضحك في سري من مدلولات هذه العبارة خصوصا بعد أن فكرت فيها بعمق، واستبعدت الغرور الشخصي الذي كان يجمّل صورتي مقارنة مع الوالد ، نعم اكتشفت بان ميخائيل عودة الغيشان العزيزات  لم يمت قط... وانه الان يتناسل حتى صار ينيف عن  350 مليون ميخائيل عربي ،ولا علاقة لهم بالعصر ولا بالعلم ، 350 مليون أعمى يظنون بأنهم مبصرون ،350مليون كائن يعتاشون على هامش التاريخ والجغرافيا ،وعلاقتهم الوحيدة  بالعالم وما يجري فيه ،تتلخص في الاستماع إلى نشرات الأخبار.



يسمح بنقل المادة أو جزء منها بشرط ذكر المصدر