نشر في: الخميس, 29 تشرين2 2018 10:11
الزيارات:    
| طباعة |

"خطاب الكراهية".. ما المعايير..؟!

بقلم : علاء الدين أبو زينة

"الخيِّر يقول ويغيِّر"
قبل أيام، شاركت على "فيسبوك" ترجمة لمجريات لقاء بين الصحفي البريطاني روبرت فيسك وصحفي الكيان جدعون ليفي. والموضوع منشور بالإنجليزية في صحيفة "الإندبندنت" البريطانية، ونُشرت ترجمته في هذه الصحيفة. ووضعتُ في رأس المشاركة عبارة لليفي، يقول فيها أنه لو مات كلب "إسرائيلي"، فسوف يهتم إعلام الكيان به أكثر من مقتل 20 فلسطينياً أعزل على يد الجنود في غزة.
بعد بعض الوقت، وصلني إشعار من "فيسبوك" يقول ما معناه: "مشاركتك تتعارض مع معايير مجتمعنا. لذلك تستطيع أن تراها وحدك فقط. أنظر الخيارات". ويعني ذلك أن الموقع حجب مشاركتي عن الآخرين. واستغربت. ليست هذه أول مرة أشارك فيها شيئاً بمحتوى مشابه. وهو ، في تقديري، عادي ومُجاز من صحف مهمة. هل اشتكى أحد أو جهة من شيء ورد في الموضوع؟ ما هي الطريقة التي يصدر بها "فيسبوك" هذا أحكامه؟ ورأيت أن أستطلع "انظر الخيارات".
عرض "فيسبوك" خيارين: قبول، أو إعادة النظر. واخترتُ، بالطبع، إعادة النظر. ولم أتوقع في الحقيقة إعادة نظر ولا مَن يحزنون؛ فهذا "الفيس" في تصوري هو تكوين كبير هائل ليس بشرياً ولا يمكن أن يتفاعل بطريقة الأخذ والعطاء ويتحاور مع فرد بين مليارات المشاركين. صحيح أنه يتذكر تاريخ عيد ميلادك ويذكرك بمشاركاتك وصداقاتك، لكن هذه شؤون يمكن أن تتعقبها وتؤديها البرمجيات الذكية وليس أشخاصاً يتابعون يومياتك. لكنني تلقيتُ بعد نحو أربع ساعات إشعاراً آخر من "فيسبوك"، يقول: "مشاركتك عادت الآن على فيسبوك. نحن آسفون لأننا فهمنا خطأ".
دار في ذهني بعد هذه التجربة، بالإضافة إلى تحسين فهمي عن "فيسبوك"، ذلك الجدل الدائر محلياً حول قانون الجرائم الإلكترونية وتعديلاته. وتركزت تأملاتي على فكرتين: أولاً، ما هي معايير الحكم على خطاب تمت مشاركته وسائل التواصل الاجتماعية، بأنه "خطاب كراهية" أو مناقض للمعايير؟ وثانياً، ما هي كيفيات التعامل مع ما يُحكم عليه على أنه مخالف للمعايير؟
إذا كان تقديري صحيحاً، فإن الذي حجب مشاركتي المذكورة بداية الأمر في "فيسبوك" –شخصاً كان أم آلة- ربما قرأ العبارة في ترويسة المقال كما يلي: قرأ كلمة "كلب"، ثم رأى إلى جوارها كلمات "فلسطينيين" أو "إسرائيلي"، وقرر أن في الأمر شتيمة أو إساءة لأي منهم بلا استشارة للسياق. وعند المراجعة، قرأ العبارة لا ككلمات، وإنما كسياق، فاعتذر عن سوء الفهم. ويفترض أن تقوم جهات الرقابة على محتوى المشاركات الألكترونية هنا بطريقة مشابهة، أكثر أو أقل.
إذن، ستكون الأحكام على نوعية الخطاب؛ خطاب كراهية أو اغتيال شخصية أو أي من الممنوعات التي ينص عليها القانون، إما آلية أو يصدرها شخص تتحكم معاييره الخاصة في الحكم. ما الذي يمنع إذن أن تُقرأ مشاركة لمواطن خطأ ضمن نظام مراقبة system إمكانياته أقل حتماً من "فيسبوك" العملاق؟ لن يناقش أحد في مدى نسبية الأحكام الأخلاقية حول الصواب والخطأ. ومليون في المائة، سوف "يسيء" الناس تقدير المسموح والمممنوع في مشاركاتهم، وتقدير قدسية الخصوصية من عدمها في مشاركاتهم في مجموعات خاصة، مثل "واتس آب".
يقودنا هذا إلى الشق الثاني من التأمل. إنك إذا تورطت في شيء يتعارض مع معايير مجتمع "فيسبوك"، فإن ردهم يكون حجب مشاركتك، وإشعارك بذلك، بل ومنحك خيار طلب إعادة النظر. أما في قانون الجرائم الإلكترونية، كما يُفهم، فستقودك مشاركتك فوراً إلى التوقيف قبل السؤال والجواب، ربما على أساس تقدير أوليّ مثلما فعل "فيسبوك" في الحادث المذكور. وكما نعرف من خبرتنا، فإنه حتى تنجلي الأمور، إذا كان ثمة فرصة للحوار والدفاع عن نفسك، ستكون قد عانيت من التوقيف والتحقيق وما ينطوي عليه ذلك من معاناة. ولا أحد في الدنيا يستطيع أن يعرف بالضبط ما هي المعايير التي قد تودي بك إلى الاعتقال، وما هي فرصك في "إعادة النظر".
ثم، إذا كان الهدف منع نشر خطاب الكراهية و"قلة الأدب"، فما الذي يمنع حجب المشاركة المشتبه بها، ومنح المرسل فرصة لمراجعة نفسه والقبول بالحكم أو طلب إعادة النظر، بلا توقيف وغرامات وبهدلة؟ ألن يتحقق المطلوب؟ أم لعل الأمر أشبه بتخبئة كاميرا ضبط تجاوز السرعة على الطريق، لا لمنع المخالفة، وإنما لاصطياد المخالفين؟



يسمح بنقل المادة أو جزء منها بشرط ذكر المصدر