نشر في: الخميس, 01 تشرين2 2018 11:18
الزيارات:    
| طباعة |

الفاجعة، الأزمة، والإدارة

بقلم : د. موسى شتيوي

لقد أدت فاجعة البحر الميت ، التي راح ضحيتها عدد من الشهداء الأطفال والكبار ، وانكشاف الإدارة في التعامل معها ، إلى أزمة داخلية بامتياز . وبالرغم من تفاني الجهات الرسمية والشعبية للتعامل مع الحادثة المؤلمة وتبعاتها ، إلا أنها في الوقت ذاته، كشفت مكامن ضعف الإدارة في التعامل مع هذا النوع من الحوادث والأزمات.
قبل حدوث الفاجعة، أعلنت الجهات المعنية  كافة جهودها للتعامل مع فصل الشتاء ، وما يمكن أن ينجم عنه من حالات طوارئ . وهذا بالتأكيد صحيح، فربما قامت كل مؤسسة باتخاذ الإجراءات الروتينية المعتادة. ولكن منذ الساعات الأولى للحادثة الأليمة ، تبدت معالم الأزمة في إدارة هذا النوع من الحوادث والمستجدات:
أولاً: الواضح أن ضعف إدارة هذه الأزمة ليس سوى أحد مظاهرها. لقد هرع المسؤولون إلى مكان الحادث كما هرع المواطنون أيضاً. وبالرغم من اللفتة الإنسانية التي تنطوي عليها هذه الزيارات ، إلا أنها من منظور إدارة الأزمة قد لا تكون ملائمة ، إلا أن المسؤولين كان يجب أن يكونوا في مكان يستطيعون من خلاله إدارة هذه الأزمة ، ومتابعة مجرياتها، واتخاذ القرارت المناسبة حيالها.
ثانياً: غياب العمل الجماعي على أداء الجهات الحكومية المختلفة ، وبدا كأن كل جهة أو وزارة تعمل لوحدها في هذا الجانب ، وليس كجسم واحد متماسك ، ما أدى الى غياب التنسيق بالتخطيط والتنفيذ.
ويتحلى هذا البعد باضطرار عدد من الوزراء ، وتحت ضغط منصات التواصل الاجتماعي، الى الإدلاء بتصريحات تخص وزاراتهم ، لأنها أصبحت تحت الهجوم، بصرف النظر عن دقة المعلومات أو الإشاعات التي تم تناقلها عبر هذه المنصات. هذه التصريحات ، وبدون قصد، أدت الى انكشاف ضعف الإدارة ، وغياب الإدارة الجماعية في الظروف العادية وفي إدارة الأزمات.
ثالثاً: ضعف التخطيط المبني على المعلومات الدقيقة ، إن توفرت، حول هذه الأزمة الى المستويات الإدارية المختلفة ما يجعل العمل أقرب الى الارتجال ، الذي يؤدي في النهاية الى تكشف وهن الإدارة المدنية. لقد كان غياب المعلومات الدقيقة عن الرحلة والحادثة جزءاً من المشكلة ، لأن التخطيط الناجح يتطلب المعلومات الكافية والدقيقة في الوقت المناسب.
رابعاً: أظهرت هذه الأزمة أن "المركزية في الإدارة"، وبخاصة هذا النوع من الحوادث المؤسفة ، لم تعد قادرة على تقديم الحلول ، وذلك لعدم قدرة المركز على إدراك الواقع في العديد من المناطق البعيدة والنائية ، ولا بد من التساؤل في هذه الحالة عن دور الجهات المحلية المعنية في متابعة هذا النوع من المشكلات والأزمات ، ومدى دور اللامركزية في التنسيق المحلي بين الجهات ذات الاختصاص على المستويات المحلية.
إن الفوضى التي شهدناها في التعامل مع هذه الحادثة المأساوية ، ليست سوى مظهر من مظاهر أزمة الإدارة العامة العابرة للحكومات في معالجة القضايا الطارئة ، والمشكلات التي تواجه المجتمع الأردني. إننا اليوم نعاني من تراجع قدرة الإدارة العامة في إدارة المشكلات والأزمات، التي تظهر بين فترة وأخرى في الأردن. هذا الضعف عمّق أزمة الثقة بين المواطنين والمؤسسات المدنية المعينة والمنتخبة على حد سواء ، التي تؤثر سلباً في قدرة الدولة على بلوغ أهدافها ، وتحقيق آمال المواطنين.
لقد بات من الضروري إجراء مراجعات عاجلة ومعمقة للإدارة العامة، وقدرتها في التعامل مع المشكلات والأزمات ، والعمل على تبنّي منهجية علمية وموضوعية في معالجتها ، بحيث تأخذ القرارات الصادرة في الحسبان ، الأبعاد الاجتماعية والنفسية والاقتصادية والسياسية للوطن وأهله



يسمح بنقل المادة أو جزء منها بشرط ذكر المصدر