نشر في: الأحد, 08 تشرين1 2017 11:11
الزيارات:    
| طباعة |

من ذاكرة حرب 6 أكتوبر..!

بقلم : علاء الدين ابو زينة

يوم 6 تشرين الأول (أكتوبر) 1973، قبل 44 عاماً، كانت الإذاعة الأردنية تبثُ مسلسلاً إذاعياً للفنان السوري دريد لحام، "غوار كل يوم إلُه كار". كان الوقت عصراً والناس صائمون في رمضان. ووسط الكوميديا السورية، انقطع بث الحلقة للإعلان عن نشوب الحرب بين العرب –مصر وسورية- وبين الكيان الصهيوني.
كان ذلك أيضاً قطعاً في نسق الحياة المتوترة في ذلك الوقت المليء بالمشاعر المختلطة التي أنجبتها سلسلة من الأحداث غير السارة. وكانت صورة جمال عبد الناصر، التي وُضع شريط أسود مائل على زاويتها، معلقة في صدور الكثير من البيوت، رمزاً لوفاة آخر الأمل. وفجأة، استيقظ الأمل: إن العرب يحاربون العدو الحقيقي مرة أخرى، وبهدف عزيز: تحرير الأراضي المحتلة. وهم فوق ذلك، ينتصرون.
كنتُ في العاشرة آنذاك، لكن كل شيء كان يملي إصابة المرء بالوعي المبكر. وأقول "إصابة" لأن المعرفة المتطرفة في الجديّة والألم كانت تختزل الطفولة وجمالياتها بجور. وكان تفاعلي الشخصي الأميز الذي ما أزال أتذكره من الحرب، هو إلقاء قصيدة الراحل سميح القاسم "ثورة مغني الربابة" عبر مذياع الإذاعة المدرسية في طابور الصباح. وانحفرت في ذهني إلى الأبد مقاطع من تلك القصيدة التي يحكيها مغني الربابة الذي تعب من تكرار الأمجاد القديمة على أسماع أمة منهارة. وختم أغنيته بطلب ما جسدته حرب أكتوبر 73:
"يا أمتي !
ماذا لديكِ؟ تكلـَّمي! ما أنتِ أمّه !
عُودي! فقد تعب اللسانُ، ومات قـُـرّاءُ الجريده
عودي! مغنيكِ القديمُ، يوَدّ تبديلَ القصيده 
يا أمتي.. قومي امنحي هذي الربابه
غيرَ البراعةِ في الخطابه
لحناً جديداً ..
وامنحي الأجيال.. أمجاداً جديده"!
*   *   *
مع أن أحداً عاقلاً لا يمكن أن يحب الحرب، فقد كانت تلك حرباً مختلفة مرغوبة بشدة. كانت حرباً من أجل استعادة روح الأمة المهانة وأرضها المسلوبة. ولذلك صاحبها توقُّع ممتزج بالنشوة على مستوى الوطن العربي كله. ويكتب الدكتور محيي الدين عيمور، وزير الإعلام الجزائري السابق وضابط التنسيق بين رئيسه، بومديِن، وبين السادات وقت الحرب: "... استقطبت (المعركة) تضامناً عربياً فاعلاً لم يسبق له مثيل، كان حظر البترول جزءاً رئيسياً منه، وارتبط هذا كله بأمرين: أولهما التفهم العالمي للكفاح العربي، والقلق الدولي من التصرفات الإسرائيلية، وهذا في حد ذاته مكسب استراتيجي هام، يضاف إلى الموقف الرائع للقارة الإفريقية التي قاطعت إسرائيل، ولا أستطيع تناسي دور هواري بومدين ومعمر القذافي في إنجاز تلك المقاطعة".
*   *   *
لكن تلك النشوة لم تدُم أكثر من بضعة أيام، كما هو طبع الإشراقات العربية قصيرة العمر منذ أجيال. فسرعان ما تحوّلت وجهات المعركة بعد أن أتاح سوء إدارة القتال (أو تعمُّد ذلك) للكيان استجماع نفسه والشروع في الهجمات المعاكسة. وفي لمحة بصر، تم إجهاض التخطيط الرائع ومكاسب عنصر المفاجأة. وتوقف الحلُم.
يكتب الدكتور عيمور: "لكن السادات يتسبب في أهم سلبيات المعركة، وهو غياب التنسيق بين مصر وسورية، ثم تعهده المكتوب لكيسنجر يوم 7 أكتوبر بمحدودية تحرك مصر العسكري، ثم إضاعة فرصة التقدم إلى المضايق يوم 9 أكتوبر، ثم محاولة استدراك ذلك وتطوير الهجوم شرقاً بعد أن أفلتت الفرصة، وضد إرادة مساعديه، وكلهم من خيرة القادة.
"وتحدُث الثغرة والهجوم الإسرائيلي المضاد، ويقول إسماعيل فهمي إن: "رد الفعل على الهجوم المُضاد كان (..) حالة من الفزع، حتى قال البعض إنه على الحكومة أن تنسحب إلى أسيوط، استعداداً لمقاومة شعبية ضد الغزو الإسرائيلي".
***
لم تتحرر فلسطين. ولم تتحرر الجولان. وضاع الكثير من الدم في مقابل كسب محدود في سيناء التي عادت إلى مصر مكبَّلة. وفوق ذلك، خرجت مصر من المعركة ضد الكيان بمعاهدة كامب ديفيد، وتوقف "الأخ الكبير" عن العناية بالعائلة التي تُركت لتدبر أمورها –غالباً بالبحث عن تسوية ما مع العدو.
والآن، بعد "ألف عام"، وأربعة وأربعين عاماً منذ وفاة حلُم أكتوبر 73، ما يزال مغني سميح القاسم يتجوّل عازفاً لحنه المكرور المدحور، منتظراً لحن الأمة الجديد وأمجادها الهاربة التي لا تَعد بعودة في أي وقت قريب.



يسمح بنقل المادة أو جزء منها بشرط ذكر المصدر